المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٢١ - الفصل الثامن فى وصاله- صلى اللّه عليه و سلم
و الوصال، لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها. قال القرطبى: و يبعده النظر إلى حاله- صلى اللّه عليه و سلم- فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع و يربط على بطنه الحجر.
انتهى.
و يحتمل كما قاله ابن القيم فى «الهدى» و ابن رجب فى اللطائف- أن يكون المراد به ما يغذيه اللّه به من معارفه، و ما يفيض على قلبه من لذة مناجاته و قرة عينه بقربه، و نعيمه بحبه و الشوق إليه، و توابع ذلك من الأحوال التي هى غذاء القلوب و نعيم الأرواح و قرة العين، و بهجة النفوس، فللروح و القلب بها أعظم غذاء و أجله و أنفعه، و قد يغنى هذا الغذاء عن غذاء الأجسام مدة من الزمان كما قيل:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها * * * عن الشارب و تلهيها عن الزاد
إذا اشتكت من كلال السير أو عدها * * * روح القدوم فتحيا عند ميعاد
و من له أدنى تجربة و شوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب و الروح عن كثير من الغذاء الحيوانى، و لا سيما الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرت عينه بمحبوبه، و تنعم بقربه و الرضا عنه، و ألطاف محبوبه ... مكرم له غاية الإكرام مع الحب التام، أ فليس هذا من أعظم غذاء لهذا المحب، فكيف بالحبيب الذي لا شيء أعظم منه و لا أجل و لا أجمل و لا أكمل و لا أعظم إحسانا، أ فليس هذا المحب عند حبيبه يطعمه و يسقيه ليلا و نهارا، و لهذا قال: إنى أظل عند ربى يطعمنى و يسقينى. انتهى.
و حكى النووى فى شرح المهذب، كما قاله فى شرح تقريب الأسانيد:
أن معناه أن محبة اللّه تشغلنى عن الطعام و الشراب. قال: و الحب البالغ يشغل عنهما. انتهى. فإن قلت: لم آثر اسم الرب دون اسم الذات المقدسة فى قوله: «يطعمنى ربى» دون أن يقول: يطعمنى اللّه؟ أجيب: بأن التجلى باسم الربوبية أقرب إلى العباد من الإلهية، لأنه تجلى عظمة لا طاقة للبشر بها، و تجلى الربوبية تجلى رحمة و شفقة.