المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٤٦ - الفصل الثالث فى تفضيله- صلى اللّه عليه و سلم- فى الآخرة إلخ
الأول: أن البعث ضد الإجلاس، يقال: بعثت البارك و القاعد فانبعث، و يقال بعث اللّه الميت أى أقامه من قبره، فتفسير البعث بالإجلاس تفسير الضد بالضد و هو فاسد.
و الثانى: يوجب أنه تعالى لو كان جالسا على العرش بحيث يجلس عنده محمد- صلى اللّه عليه و سلم- لكان محمودا متناهيا، و من كان كذلك فهو محدث تعالى اللّه علوّا كبيرا.
و الثالث: أنه تعالى قال: مَقاماً مَحْمُوداً [١] و لم يقل مقعدا، و المقام موضع القيام، لا موضع القعود.
الرابع: و إذا قيل: السلطان بعث فلانا، فهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم، و لا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه، فثبت أن هذا القول ساقط، لا يميل إليه إلا قليل العقل عديم الدين، انتهى.
و تعقب القول الثانى: بأنه تعالى يجلس على العرش كما أخبر جل و علا عن نفسه المقدسة بلا كيف، و ليس إقعاد محمد- صلى اللّه عليه و سلم- على العرش موجبا له صفة الربوبية، أو مخرجا له عن صفة العبودية، بل هو رفع لمحله و تشريف له على خلقه، و أما قوله «معه» فهو بمنزلة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ [٢] و قوله: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ [٣] فكل هذا و نحوه عائد على الرتبة و المنزلة و الحظوة و الدرجة الرفيعة، لا إلى المكان.
و قال شيخ الإسلام أبو الفضل العسقلانى: قول مجاهد «يجلسه معه على العرش» ليس بمدفوع لا من جهة النقل و لا من جهة النظر. و قال ابن عطية: هو كذلك إذا حمل على ما يليق به قال: و بالغ الواحدى فى رد هذا القول. و نقل النقاش عن أبى داود صاحب السنن أنه قال: من أنكر هذا فهو متهم. و قد جاء عن ابن مسعود عند الثعلبى، و عن ابن عباس عند أبى الشيخ
[١] سورة الإسراء: ٧٩.
[٢] سورة الأعراف: ٢٠٦.
[٣] سورة التحريم: ١١.