المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٨٨ - النوع السادس فى ذكر حجه و عمره- صلى اللّه عليه و سلم
أناخ الناس فى منازلهم و لم يجلوا حتى أقام العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا [١]. و ترك- صلى اللّه عليه و سلم- قيام الليل تلك الليلة، و نام حتى أصبح، لما تقدم له من الأعمال بعرفة من الوقوف من الزوال إلى بعد الغروب، و اجتهاده- صلى اللّه عليه و سلم- فى الدعاء، و سيره بعد الغروب إلى المزدلفة، و اقتصر فيها على صلاة المغرب و العشاء قصرا، و رقد بقية ليلته مع كونه- صلى اللّه عليه و سلم- كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، و لكنه أراح نفسه الشريفة لما تقدم فى عرفة، و لما هو بصدده يوم النحر من كونه ينحر بيده المباركة ثلاثا و ستين بدنة، و ذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، و رجع إلى منى، كما نبه عليه فى شرح تقريب الأسانيد.
و عن عباس بن مرداس أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة، فأجيب: إنى قد غفرت لهم ما خلا الظالم، فإنى آخذ للمظلوم منه، قال: «أى رب إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة و غفرت للظالم»، فلم يجب عشيته، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل، قال:
فضحك- صلى اللّه عليه و سلم-، أو قال: تبسم، فقال أبو بكر و عمر- رضى اللّه عنهما-: بأبى أنت و أمى، إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها، فما الذي أضحكك، أضحك اللّه سنك، قال: «إن عدو اللّه إبليس لما علم أن اللّه قد استجاب دعائى و غفر لأمتى أخذ التراب فجعل يحثو على رأسه و يدعو بالويل و الثبور فأضحكنى ما رأيت من جزعه» [٢]، رواه ابن ماجه. و رواه أبو داود من الوجه الذي رواه ابن ماجه و لم يضعفه.
و قد جاء فى بعض الروايات عن غير العباس ما يبين أن المراد من «الأمة» من وقف بعرفة. و قال القرطبى: إنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب و عجز عن وفائها. و قد رواه البيهقي بنحو رواية ابن ماجه ثم قال:
و له شواهد كثيرة، فإن صح بشواهده ففيه الحجة، و إن لم يصح فقد قال اللّه
[١] صحيح: أخرجه مسلم (١٢٨٠) و قد تقدم.
[٢] ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٣٠١٣) فى المناسك، باب: الدعاء بعرفة، من حديث عباس ابن مرداس بن أبى عامر، و ضعفه الألبانى.