المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٩٤ - الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف و مسجده المنيف
قال: و رخص بعضهم فى تقديم الزيارة على الصلاة. قال ابن الحاج:
و كل ذلك واسع و لعل هذا الحديث لم يبلغهم، و اللّه أعلم. انتهى.
و ينبغى للزائر أن يستحضر الخشوع ما أمكنه، و ليكن مقتصدا فى سلامه بين الجهر و الإسرار. و فى البخاري: أن عمر- رضى اللّه عنه- قال لرجلين من أهل الطائف: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ضربا، ترفعان أصواتكما فى مسجد رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- [١].
و قد روى عن أبى بكر الصديق- رضى اللّه عنه- قال: لا ينبغى رفع الصوت على نبى حيّا و لا ميتا. و روى عن عائشة- رضى اللّه عنها- أنها كانت تسمع صوت الوتد يوتد و المسمار يضرب فى بعض الدور المطيفة بمسجد النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فترسل إليهم: لا تؤذوا رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-.
قالوا: و ما عمل على بن أبى طالب- رضى اللّه عنه- مصراعى داره إلا بالمصانع توقيا لذلك. نقله ابن زبالة. فيجب الأدب معه كما فى حياته.
و ينبغى للزائر أن يتقدم إلى القبر الشريف من جهة القبلة، و إن جاء من جهة رجلى الصاحبين فهو أبلغ فى الأدب من الإتيان من جهة رأسه المكرم.
و يستدبر القبلة و يقف قبالة وجهه- صلى اللّه عليه و سلم- بأن يقابل المسمار الفضة المضروب فى الرخام الذي فى الجدار، و لا عبرة بالقنديل الكبير اليوم، لأن هناك عدة قناديل.
و قد روى أن مالكا لما سأله أبو جعفر المنصور العباسى: يا أبا عبد اللّه أستقبل رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و أدعو، أم أستقبل القبلة و أدعو؟ فقال له مالك:
و لم تصرف وجهك عنه، و هو وسيلتك و وسيلة أبيك آدم٧ إلى اللّه عز و جل يوم القيامة.
لكن رأيت منسوبا للشيخ تقى الدين بن تيمية فى منسكه: أن هذه
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٤٧٠) فى الصلاة، باب: رفع الصوت فى المسجد. من حديث السائب بن يزيد- رضى اللّه عنه-.