المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٣٦ - النوع السابع من عبادته- صلى اللّه عليه و سلم- فى ذكر نبذة من أدعيته و أذكاره و قراءته
و وقع بصر المريد عليه وقع ميتا، فقال له أبو تراب يا أبا يزيد نظرة منك قتلته، و قد كان يدعى رؤية الحق فقال له أبو يزيد قد كان صاحبك صادقا، و كان الحق يتجلى له على قدر مقامه، فلما رآنى تجلى له على قدر ما رأى، فلم يطق فمات. و اصطلاح أهل الطريق فى التجلى معروف، و حاصله: رتبة من المعرفة جلية علية و لم يكونوا يعنون بالتجلى رؤية البصر التي قيل فيها لموسى٧ على خصوصيته- لَنْ تَرانِي [١] و التي قيل فيها على العموم لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [٢]. و إذا فهمت أن مرادهم الذي أثبتوه غير المعنى الذي حصل منه الناس على اليأس فى الدنيا، و وعد الخواص به فى الأخرى، فلا ضير بعد ذلك عليك. و لا طريق لسوء الظن بالقوم إليك، و اللّه متولى السرائر. انتهى ملخصا.
و إذا علمت هذا فاعلم أن السماع فى طريق القوم معروف، و فى الجواذب إلى المحبة معدود و موصوف، و قد نقل إباحته أبو طالب فى «القوت» عن جماعة من الصحابة كعبد اللّه بن جعفر، و ابن الزبير، و المغيرة بن شعبة و معاوية، و كذا الجنيد، و السرى و ذى النون، و احتج له الغزالى فى «الإحياء» بما يطول ذكره، خصوصا فى أوقات السرور المباحة، تأكيدا له و تهييجا، كعرس و قدوم غائب، و وليمة و عقيقة و حفظ قرآن، و ختم درس أو كتاب أو تأليف.
و فى الصحيحين من حديث عائشة: أن أبا بكر دخل عليها و عندها جاريتان فى أيام منى تدففان و تضربان، و رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف- صلى اللّه عليه و سلم- عن وجهه و قال: «دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد» [٣]. و فى رواية: دخل على رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و عندى جاريتان
[١] سورة الأعراف: ١٤٣.
[٢] سورة الأنعام: ١٠٣.
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (٩٨٨) فى الجمعة، باب: إذا فاته العيد يصلى ركعتين، و مسلم (٨٩٢) فى صلاة العيدين، باب: الرخصة فى اللعب الذي لا معصية فيه فى أيام العيد.
من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.