المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٥١ - الفصل الثالث فى تفضيله- صلى اللّه عليه و سلم- فى الآخرة إلخ
و وقع فى رواية حذيفة: أن الخليل٧ قال: «لست بصاحب ذاك، إنما كنت خليلا من وراء وراء». بفتح الهمزة فيهما بلا تنوين، و يجوز البناء فيها على الضم للقطع عن الإضافة نحو «من قبل و من بعد» و اختار أبو البقاء. قال الأخفش: يقال لقيته من وراء بالضم، و قال:
إذا أنا لم أومن عليك و لم يكن * * * لقاؤك إلا من وراء وراء
و يجوز فيهما النصب و التنوين جوازا جيدا، قاله أبو عبد اللّه الأبى.
و معناه: لم أكن فى التقريب و الإدلال بمنزلة الحبيب، و قيل: مراده: إن الفضل الذي أعطيته كان بسفارة جبريل، و لكن ائتوا موسى الذي كلمه اللّه بلا واسطة، و كرر «وراء» إشارة إلى نبينا- صلى اللّه عليه و سلم- لأنه حصلت له الرؤية و السماع بلا واسطة، فكأنه قال: أنا من وراء موسى، الذي هو من وراء محمد، و سبق مزيد لذلك فى الخصائص.
و أما ما ذكره من الكذبات الثلاث، فقال البيضاوى: الحق أنها إنما كانت من معاريض الكلام، لكن لما كانت صورتها صورة الكذب أشفق منها استقصارا لنفسه عن الشفاعة، لأن من كان أعرف باللّه و أقرب إليه منزلة، كان أعظم خوفا.
و أما قوله عن عيسى: «إنه لم يذكر ذنبا»، فوقع فى حديث ابن عباس عند أحمد و النسائى: «إنى اتخذت إلها من دون اللّه» [١].
و فى حديث النضر بن أنس عن أبيه، حدثني نبى اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال:
«إنى لقائم انتظر أمتى عند الصراط، إذ جاء عيسى فقال: يا محمد، هذه الأنبياء قد جاءتك يسألونك لتدعو اللّه أن يفرق جمع الأمم إلى حيث شاء، لعظم ما هم فيه» [٢].
فأفادت هذه الرواية تعيين موقف النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- حينئذ، و أن هذا الذي
[١] ذكره الهيثمى فى «المجمع» (١٠/ ٣٧٢) و قال: رواه أبو يعلى و أحمد و فيه على بن زيد، و قد وثق على ضعفه، و بقية رجالهما رجال الصحيح.
[٢] ذكره الهيثمى فى «المجمع» (١٠/ ٣٧٣) و قال: رواه أحمد و رجاله رجال الصحيح.