المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٧٦ - ذكر طبه- صلى اللّه عليه و سلم- بقطع العروق و الكى
و إنما يستعمل الكى فى الخلط الباغى الذي لا تحسم مادته إلا به، و لهذا وصفه- صلى اللّه عليه و سلم- ثم نهى عنه [١]، و إنما كرهه لما فيه من الألم الشديد و الخطر العظيم، و لهذا كانت العرب تقول فى أمثلتها: آخر الدواء الكى. و النهى فيه محمول على الكراهة أو على خلاف الأولى، لما يقتضيه مجموع الأحاديث، و قيل: إنه خاص بعمران لأنه كان به الباسور، و كان موضعه خطرا فنهاه عن كيه، فلما اشتد عليه كواه فلم ينجح.
و قال ابن قتيبة: الكى نوعان: كى الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى. لأنه يريد أن يدفع القدر، و القدر لا يدافع، و الثانى: كى الجرح إذا فسد، و العضو إذا قطع، فهو الذي شرع التداوى له، فإن كان الكى لأمر محتمل فهو خلاف الأولى لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقق.
و حاصل الجمع: أن الفعل يدل على الجواز، و عدم الفعل لا يدل على المنع بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، و لذا وقع الثناء على تاركه، و أما النهى عنه فإما على سبيل الاختيار و التنزيه، و إما عما لا يتعين طريقا إلى الشفاء. و قال بعضهم: إنما نهى عنه مع إثباته الشفاء فيه إما لكونهم كانوا يرون أنه يحسم الداء بطبعه فكرهه لذلك، و لذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء لظنهم أنه يحسم الداء، فيتعجل الذي يكتوى التعذيب بالنار لأمر مظنون.
قال فى فتح البارى: و لم أر فى أثر صحيح أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- اكتوى، إلا أن القرطبى نسب إلى كتاب آداب النفوس للطبرى أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- اكتوى، و ذكره الحليمى بلفظ: و روى أنه أكوى للجرح الذي أصابه بأحد.
قال الحافظ ابن حجر: و الثابت فى الصحيح فى غزوة أحد أن فاطمة أحرقت حصيرا فحشت به جرحه. و ليس هذا الكى المعهود.
[١] صحيح: و هو يشير إلى الحديث الذي عند البخاري (٥٦٨٠ و ٥٦٨١) فى الطب، باب:
الشفاء فى ثلاث.