المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٨١ - الباب الثانى فى ذكر صلاته- صلى اللّه عليه و سلم- الجمعة
ركعتين»، و حض الناس على الصدقة الحديث [١] ... فأمره بأن يصلى ركعتين ليراه بعض الناس و هو قائم فيتصدق عليه، و ورد أيضا ما يؤيد الخصوصية، و هو ما أخرجه ابن حبان و هو قوله- صلى اللّه عليه و سلم- لسليك فى آخر الحديث: «لا تعودن لمثلها» [٢]، و مما يضعف الاستدلال به على جواز التحية فى تلك الحالة أنهم أطلقوا أن التحية تفوت بالجلوس.
فهذا ما اعتل به من طعن فى الاستدلال بهذه القصة على جواز التحية، و كله مردود، لأن الأصل عدم الخصوصية، و التعليل بكونه- صلى اللّه عليه و سلم- قصد التصدق عليه لا يمنع القول بجواز التحية، فإن المانعين منها لا يجيزون التطوع لعلة التصدق. قال ابن المنير: لو ساغ ذلك لساغ مثله فى التطوع عند طلوع الشمس و سائر الأوقات المكروهة، و لا قائل به.
و مما يدل على أن أمره بالصلاة لم ينحصر فى قصد التصدق، معاودته- صلى اللّه عليه و سلم- بأمره بالصلاة فى الجمعة الثانية بعد أن حصل له فى الجمعة الأولى ثوبان تصدق بهما عليه، فدخل بهما فى الثانية فتصدق بأحدهما فنهاه- صلى اللّه عليه و سلم- عن ذلك. أخرجه النسائى و ابن خزيمة من حديث أبى سعيد أيضا.
و لأحمد و ابن حبان: أنه كرر أمره بالصلاة ثلاث مرات فى ثلاث جمع، فدل على أن قصد التصدق عليه جزء علة، لا علة كاملة.
و أما إطلاق من أطلق أن التحية تفوت بالجلوس، فقد حكى النووى فى شرح مسلم عن المحققين: أن ذلك فى حق العامد العالم، أما الجاهل و الناسى فلا، و حال هذا الداخل محمولة فى المرة الأولى على أحدهما، و فى المرتين الأخيرتين على النسيان.
و الحامل للمانعين على التأويل المذكور أنهم زعموا أن ظاهره معارض
[١] متفق عليه: أخرجه البخاري (٩٣٠) فى الجمعة، باب: إذا رأى الإمام رجلا جاء و هو يخطب أمره أن يصلى، و مسلم (٨٧٥) فى الجمعة، باب: التحية و الإمام يخطب، من حديث جابر بن عبد اللّه- رضى اللّه عنهما-.
[٢] حسن: أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (٢٥٠٤) و قال شعيب الأرناءوط: إسناده قوى.