المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٠٠ - الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف و مسجده المنيف
و قد روى الدارمى عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما كان أيام الحرة، لم يؤذن فى مسجد النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و لم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد، و كان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و ذكر ابن النجار و ابن زبالة بلفظ قال سعيد- يعنى ابن المسيب-. فلما حضرت الظهر سمعت الأذان فى القبر، فصليت ركعتين، ثم سمعت الإقامة فصليت الظهر، ثم مضى ذلك الأذان و الإقامة فى القبر المقدس لكل صلاة حتى مضت الثلاث ليال، يعنى ليالى أيام الحرة.
و قد روى البيهقي و غيره: من حديث أنس أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال:
«الأنبياء أحياء فى قبورهم يصلون» [١]. و فى رواية: «أن الأنبياء لا يتركون فى قبورهم بعد أربعين ليلة، و لكنهم يصلون بين يدى اللّه حتى ينفخ فى الصور».
و له شواهد فى صحيح مسلم منها: قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «مررت بموسى و هو قائم يصلى فى قبره» [٢]. و فى حديث أبى ذر فى قصة المعراج: أنه لقى الأنبياء فى السموات، و كلموه و كلمهم [٣]. و قد ذكرت مزيد بيان لذلك فى حجة الوداع من مقصد عباداته، و فى ذكر الخصائص الكريمة فى مقصد معجزاته، و فى مقصد الإسراء و المعراج.
و هذه الصلوات و الحج الصادر من الأنبياء ليس على سبيل التكليف، إنما هو على سبيل التلذذ، و يحتمل أن يكونوا فى البرزخ ينسحب عليهم حكم الدنيا فى استكثارهم من الأعمال و زيادة الأجور من غير خطاب بتكليف، و باللّه التوفيق.
و إذا ثبت بشهادة قوله تعالى: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
[١] صحيح: أخرجه أبو يعلى عن أنس، كما فى «صحيح الجامع» (٢٧٩٠).
[٢] صحيح: أخرجه مسلم (٢٣٧٥) فى الفضائل، باب: من فضائل موسى. من حديث أنس بن مالك- رضى اللّه عنه-.
[٣] انظر المجلد الأول، باب: إسرائه- صلى اللّه عليه و سلم-.