المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١١٢ - الرؤيا الصالحة جزء من النبوة
و «الثدى» بضم المثلاثة و كسر الدال و تشديد الياء، جمع ثدى، بفتح ثم سكون، و المعنى: أن القميص قصير جدّا بحيث لا يستر من الحلق إلى نحو السرة بل فوقها. و قوله: «و منها ما يبلغ دون ذلك» يحتمل أن يريد به من جهة السفل، و هو الظاهر فيكون أطول، و يحتمل أن يكون دونه من جهة العلو فيكون أقصر، و يؤيد الأول ما فى رواية الترمذى الحكيم المذكورة:
فمنهم من كان قميصه إلى سرته، و منهم من كان قميصه إلى ركبته، و منهم من كان قميصه إلى أنصاف ساقيه.
و يجوز النصب فى قوله «الدين» و التقدير: أولته الدين، و يجوز الرفع.
و فى رواية الحكيم المذكورة: على الإيمان. و قد قيل فى وجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة فى الدنيا، و الدين يسترها فى الآخرة و يحجبها عن كل مكروه، و الأصل فيه قوله تعالى: وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ [١].
و اتفق أهل التعبير على أن القميص يعبر بالدين، و أن طوله يدل على بقاء آثار صاحبه من بعده. و قال ابن العربى: إنما أول- صلى اللّه عليه و سلم- القميص بالدين، لأن الدين يستر عورة الجهل، كما يستر القميص عورة البدن. قال:
و أما غير عمر فالذى كان يبلغ الثدى هو الذي يستر قلبه عن الكفر و لو كان يتعاطى المعاصى، و الذي كان يبلغ أسفل من ذلك و فرجه باد هو الذي لم يستر رجله عن المشى إلى المعصية، و الذي يستر رجله هو الذي احتجب بالتقوى من جميع الوجوه، و الذي يجر قميصه زاد على ذلك بالعمل الصالح الخالص.
و أشار العارف ابن أبى جمرة: إلى أن المراد بالناس فى الحديث:
المؤمنون، لتأويله القميص بالدين، قال: و الذي يظهر أن المراد خصوص هذه الأمة المحمدية، بل بعضها، و المراد بالدين العمل بمقتضاه، كالحرص على امتثال الأوامر و اجتناب المناهى، و كان لعمر فى ذلك المقام العالى.
[١] سورة الأعراف: ٢٦.