المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٤٧ - الفصل الثالث فى تفضيله- صلى اللّه عليه و سلم- فى الآخرة إلخ
قال: إن محمدا يوم القيامة يجلس على كرسى الرب بين يدى الرب، فيحتمل أن تكون الإضافة إضافة تشريف، و على ذلك يحمل ما جاء عن مجاهد و غيره، و يحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة كما هو المشهور، و أن يكون الإجلاس هى المنزلة المعبر عنها بالوسيلة. كذا قاله بعضهم: و يحتمل أن يكون الإجلاس علامة الإذن فى الشفاعة.
و اختلف فى «فاعل» الحمد من قوله تعالى: مَحْمُوداً [١] فالأكثر على أن المراد به أهل الموقف، و قيل النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، أى أنه يحمد عاقبة ذلك المقام بتهجده فى الليل، و الأول أرجح لما ثبت من حديث ابن عمر بلفظ:
«مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلهم» و يجوز أن يحمل على أعم من ذلك، أى: مقاما يحمده القائم فيه و كل من عرفه، و هو مطلق فى كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات، و استحسن هذا أبو حيان، و أيده بأنه نكرة تدل على أنه ليس المراد مقاما مخصوصا. انتهى.
فإن قلت: إذا قلنا بالمشهور، أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة، فأى شفاعة هى؟ فالجواب: إن الشفاعة التي وردت فى الأحاديث، فى المقام المحمود نوعان: النوع الأول: العامة فى فصل القضاء، و الثانى: فى الشفاعة فى إخراج المذنبين من النار، لكن الذي يتجه: رد هذه الأقوال كلها إلى الشفاعة العظمى العامة، فإن إعطاءه لواء الحمد، و ثناءه على ربه و كلامه بين يديه، و جلوسه على كرسيه كل ذلك صفات للمقام المحمود الذي يشفع فيه ليقضى بين الخلق.
و أما شفاعته فى إخراج المذنبين من النار فمن توابع ذلك، و قد أنكر بعض المعتزلة و الخوارج الشفاعة فى إخراج من أدخل النار من المذنبين و تمسكوا بقوله تعالى: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ [٢] و قوله تعالى: ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لا شَفِيعٍ يُطاعُ [٣].
[١] سورة الإسراء: ٧٩.
[٢] سورة المدثر: ٤٨.
[٣] سورة غافر: ١٨.