المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦١٧ - الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف و مسجده المنيف
و فيه عن سعيد- مولى المهرى- أنه جاء إلى أبى سعيد الخدرى ليالى الحرة، فاستشاره فى الجلاء من المدينة، و شكا إليه أسعارها و كثرة عياله، و أخبره أنه لا صبر له على جهد المدينة و لأوائها، فقال: ويحك. لا آمرك بذلك، إنى سمعت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يقول: «لا يصبر أحد على لأوائها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة». و «اللأواء»: بالمد، الشدة و الجوع.
و «أو» فى قوله: «إلا كنت له شفيعا أو شهيدا» الأظهر أنها ليست للشك، لأن هذا الحديث رواه جابر بن عبد اللّه، و سعد بن أبى وقاص، و ابن عمر، و أبو سعيد، و أبو هريرة، و أسماء بنت عميس، و صفية بنت أبى عبيد، عنه- صلى اللّه عليه و سلم- بهذا اللفظ، و يبعد اتفاق جميعهم أو رواتهم على الشك و تطابقهم فيه على صيغة واحدة، بل الأظهر أنه قاله- صلى اللّه عليه و سلم-.
و تكون «أو» للتقسيم، و يكون شهيدا لبعض أهل المدينة و شفيعا لباقيهم، إما شفيعا للعاصين و شهيدا للمطيعين، و إما شهيدا لمن مات فى حياته، و شفيعا لمن مات بعده، أو غير ذلك.
و هذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعالمين فى القيامة، و على شهادته على جميع الأمم، فيكون لتخصيصهم بهذا كله علو مرتبة و زيادة منزلة و حظوة.
و إذا قلنا «أو» للشك، فإن كانت اللفظة الصحيحة «شهيدا» اندفع الاعتراض لأنها زائدة على الشفاعة المدخرة لغيرهم، و إن كانت اللفظة الصحيحة «شفيعا» فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها و ادخارها لجميع الأمة أن هذه شفاعة أخرى غير العامة، و تكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات، أو تخفيف الحساب، و أو بما شاء اللّه من ذلك، أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع الكرامات لكونهم على منابر، أو فى ظل العرش، أو الإسراع بهم إلى الجنة أو غير ذلك من خصوص الكرامات.
كيف لا يتحمل المشقات من يحب أن يتمتع بسيد أهل الأرض و السماوات، و ينال ما وعده به من جزيل المثوبات و جسيم الهبات، و إنجاز