المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٥٨ - الفصل الرابع فى سجوده- صلى اللّه عليه و سلم- للسهو فى الصلاة
إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون. فإذا نسيت فذكرونى، و إذا شك أحدكم فى صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين» [١].
ففيه: إثبات العلة قبل الحكم، بقوله: «إنما أنا بشر مثلكم» و لم يكتف بإثبات وصف النسيان له، حتى دفع قول من عساه يقول: ليس نسيانه كنسياننا فقال: «كما تنسون».
و بهذا الحديث أيضا يرد قول من قال: «معنى قوله لم أنس» إنكار اللفظ الذي نفاه عن نفسه حيث قال: «إنى لأنس أو أنسّى لأسن» [٢] و إنكار للفظ الذي أنكره على غيره حيث قال: «بئسما لأحدكما أن يقول نسيت آية كذا و كذا» [٣].
و قد تعقبوا هذا أيضا بأن حديث «لا أنسى» لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد، و هى أربعة، قاله ابن عبد البر. و أما الآخر فلا يلزم من ذم إضافة نسيان الآية ذم إضافة نسيان كل شيء، فإن الفرق بينهما واضح جدّا.
و قيل: إن قوله «لم أنس» راجع إلى السلام، أى سلمت قصدا بانيا على اعتقادى أنى صليت أربعا، و هذا جيد، و كأن ذا اليدين فهم العموم فقال: «بلى قد نسيت»، و كأن هذا القول أوقع شكّا احتاج معه إلى استثبات الحاضرين.
و بهذا التقرير يندفع إيراد من استشكل كون ذى اليدين عدلا و لم يقبل خبره بمفرده، فسبب التوقف فيه كونه أخبر عن أمر يتعلق بفعل المسئول مغايرا لما فى اعتقاده.
[١] تقدم.
[٢] أخرجه ملك فى الموطأ (٢٢٥) فى السهو، باب: العمل فى السهو.
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (٥٠٣٢) فى فضائل القرآن، باب: استذكار القرآن و تعهده، بلفظ (نسيت آية كيت و كيت)، و مسلم (٧٩٠) فى صلاة المسافرين، باب: الأمر بتعهد القرآن و كراهة قول نسيت آية كذا.
من حديث ابن مسعود- رضى اللّه عنه-.