المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٠٤ - ذكر سياق صلاته- صلى اللّه عليه و سلم- بالليل
و قد استشكل الخطابى أصل هذه الخشية، مع ما ثبت فى حديث الإسراء، من أن اللّه تعالى قال: (هن خمس و هن خمسون لا يبدل القول لدى) فإذا أمن التبديل كيف يقع الخوف من الزيادة، و هذا يدفع فى صدور الأجوبة المتقدمة.
و قد أجاب عنه الخطابى: بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه- صلى اللّه عليه و سلم-، و أفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها- يعنى عند المواظبة- فترك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك فى الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به، لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس، و هذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر، فتجب عليه و لا يلزم من ذلك زيادة فرض فى أصل الشرع.
قال: و فيه احتمال آخر، و هو أن اللّه تعالى فرض الصلاة خمسين، ثم حط معظمها بشفاعة نبيه- صلى اللّه عليه و سلم-، فإذا عادت الأمة فيما استوهب لها و التزمت ما استعفى لهم نبيهم- صلى اللّه عليه و سلم- منه، لم يستنكر أن يثبت ذلك فرضا عليهم.
قال الحافظ ابن حجر: و قد تلقى هذين الجوابين عن الخطابى جماعة كابن الجوزى، و هو مبنى على أن قيام الليل كان واجبا على النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و على وجوب الاقتداء بأفعاله، و فى كل من الأمرين نزاع.
ثم أجاب منه بثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل بمعنى جعل التهجد فى المسجد جماعة شرطا فى صحة التنفل بالليل، قال: و يومئ إليه قوله فى حديث زيد بن ثابت: «حتى خشيت أن يكتب عليكم، و لو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس فى بيوتكم» [١] فمنعهم من التجمع فى
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٧٣١) فى الأذان، باب صلاة الليل، و النسائى (١٥٩٩) فى قيام الليل و تطوع النهار، باب: الحث على الصلاة فى البيوت و الفضل فى ذلك من حديث زيد بن ثابت- رضى اللّه عنه-.