المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٨٨ - ذكر طبه- صلى اللّه عليه و سلم- من القرحة و الجرح و كل شكوى
قال النووى: معنى الحديث، أنه أخذ من ريق نفسه: على أصبعه السبابة، ثم وضعها على التراب فعلق بها شيء منه، ثم مسح به على الموضع العليل أو الجرح قائلا الكلام المذكور فى حالة المسح.
و قال القرطبى: زعم بعض الناس أن السر فيه أن تراب الأرض لبرودته و يبسه يبرئ الموضع الذي به الألم، و يمنع انصباب المواد إليه ليبسه، مع منفعته فى تجفيف الجراح و اندمالها. و قال فى الريق: إنه يختص بالتحليل و الإنضاج و إبراء الجرح و الورم، و لا سيما من الصائم و الجائع.
و تعقبه القرطبى: بأن ذلك إنما يتم إذا وقعت المعالجة على قوانينها من مراعاة مقدار التراب و الريق، و ملازمة ذلك فى أوقاته، و إلا فالنفث و وضع السبابة على الأرض إنما يعلق بها ما ليس له بال و لا أثر، و إنما هذا من باب التبرك بأسماء اللّه تعالى و آثار رسوله- صلى اللّه عليه و سلم-: و أما وضع الأصبع بالأرض فلعله لخاصية فى ذلك، أو لحكمة إخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة.
و قال البيضاوى: قد شهدت المباحث الطبية على أن للريق مدخلا فى النضج و تعديل المزاج، و تراب الوطن له تأثير فى حفظ المزاج و دفع الضرر، فقد ذكروا أنه ينبغى للمسافر أن يستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها، حتى إذا ورد المياه المختلفة جعل شيئا منه فى سقائه ليأمن مضرة ذلك، ثم إن الرقى و العزائم لها آثار عجيبة تتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها.
و قال التوربشتى كأن المراد بالتربة الإشارة إلى النطفة، كأن تضرع بلسان الحال: إنك اخترعت الأصل الأول من التراب ثم أبدعته من ماء مهين، فهين عليك أن تشفى من كانت هذه نشأته.
و قال النووى: و قيل المراد «بأرضنا؟» أرض المدينة لبركتها، و «بعضنا» رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- لشرف ريقه فيكون ذلك مخصوصا. و فيه نظر. و فى حديث عائشة عند أبى داود و النسائى: أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- دخل على ثابت بن قيس بن شماس و هو مريض، فقال: «اكشف الباس رب الناس»، ثم أخذ