المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٨٠ - ذكر طبه- صلى اللّه عليه و سلم- من السلعة
و منها: أن الخارج يقول: لو أقمت لأصبت، و المقيم يقول: لو خرجت لسلمت، فيقع اللوم المنهى عنه. و قال العارف ابن أبى جمرة: البلاء إنما يقصد به أهل البقعة، لا البقعة نفسها، فمن أراد اللّه تعالى إنزال البلاء به فهو واقع به لا محالة، فأينما توجه يدركه، فأرشدنا الشارع إلى عدم النصب.
و قال ابن القيم: جمع- صلى اللّه عليه و سلم- للأمة فى نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها، و نهيه عن الخروج منها بعد وقوعه، كمال التحرز منه، فإن فى الدخول فى الأرض التي هو فيها تعرضا للبلاء و موافاة له فى محل سلطانه، و إعانة الإنسان على نفسه، و هذا مخالف للشرع و العقل، بل تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشد اللّه تعالى إليها، و هى حمية من الأمكنة و الأهوية المؤذية، و أما نهيه عن الخروج من بلده ففيه معنيان:
أحدهما: حمل النفوس على الثقة باللّه تعالى و التوكل عليه، و الصبر على أقضيته و الرضا.
و الثانى: ما قاله أئمة الطب أنه يجب على من كان يحترز من الوباء أن يخرج عن بدنه الرطوبات الفضلية، و يقلل الغذاء، و يميل إلى التدبير المجفف من كل وجه، و الخروج من أرض الوباء و السفر منها لا يكون إلا بحركة شديدة، و هى مضرة جدّا. هذا كلام أفضل المتأخرين من الأطباء، فظهر المعنى الطبى من الحديث النبوى، و ما فيه من علاج القلب و البدن و صلاحهما، انتهى.
ذكر طبه ص من السلعة [١]:
أخرج البخاري فى تاريخه، و الطبرانى و البيهقي عن شرحبيل الجعفى قال: أتيت النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و بكفى سلعة، فقلت يا رسول اللّه قد آذتنى، تحول بينى و بين قائم السيف أن أقبض عليه و عنان الدابة، فنفث فى كفى، و وضع كفه على السلعة فما زال يطحنها بكفه حتى رفعها عنها و ما أرى أثرها.
[١] السّلعة: الغدة.