المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٨٢ - ذكر طبه- صلى اللّه عليه و سلم- من الحمى
قال ابن القيم: قوله «بالماء» فيه قولان: أحدهما: أنه كل ماء، و هو الصحيح، و الثانى: أنه ماء زمزم. ثم قال بعد أن روى حديث أبى جمرة هذا، و راوى هذا قد شك فيه، و لو جزم به لكان أمرا لأهل مكة بماء زمزم، إذ هو متيسر عندهم، و أخبرهم بما عندهم من الماء، انتهى. و تعقب: بأنه وقع فى رواية أحمد عن عفان بن همام: «فأبردوها بماء زمزم» و لم يشك، و كذا أخرجه النسائى، و ابن حبان و الحاكم.
و قال ابن القيم: و اختلف من قال إنه على عمومه هل المراد به الصدقة بالماء أو استعماله على قولين، و الصحيح أنه استعماله، و أظن أن الذي حمل من قال إن المراد به الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد فى الحمى و لم يفهم وجهه. مع أن لقوله وجها حسنا و هو أن الجزاء من جنس العمل، فكما أخمد لهيب العطش عن الظمان بالماء البارد أخمد اللّه لهيب الحمى عنه جزاء وفاقا، انتهى.
و قال الخطابى و غيره: اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث، بأن اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك، لأنه يجمع المسام، و يحقن البخار و يعكس الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون ذلك سببا للتلف. و قد غلط بعض من ينسب إلى العلم [١]، فانغمس فى الماء لما أصابته الحمى، فاحتنقت الحرارة فى باطن بدنه، فأصابته علة صعبة كادت تهلكه، فلما خرج من علته قال قولا سيئا لا يحسن ذكره، و إنما أوقعه فى ذلك جهله بمعنى الحديث.
و الجواب: أن هذا الإشكال صدر عن صدر مرتاب فى صدق الخبر، فيقال له أولا، من أين حملت الأمر على الاغتسال، و ليس فى الحديث الصحيح بيان الكيفية فضلا عن اختصاصها بالغسل، و إنما فى الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء، فإن أظهر الوجود أو اقتضت صناعة الطب أن انغماس كل محموم فى الماء أو صبه إياه على جميع بدنه يضره فليس هو المراد، و إنما قصده- صلى اللّه عليه و سلم- استعمال الماء على وجه ينفع فليبحث عن ذلك الوجه ليحصل
[١] فى الأصل (العمل)، و الصواب ما أثبتناه، و كذا فى «فتح البارى» (١٠/ ١٨٦).