المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٢٤ - الفرع الحادى عشر فى ذكر صفة سجوده- صلى اللّه عليه و سلم- و ما يقول فيه
و قوله: «دقه و جله» بكسر أولهما، أى قليله و كثيره.
و عن عائشة قالت: فقدت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- ليلة من الفراش، فالتمسته فوقعت يدى على بطن قدميه و هو فى السجود، و هما منصوبتان، و هو يقول: «اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك، و بمعافاتك من عقوبتك، و أعوذ بك منك، لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» [١] رواه مسلم.
قال الخطابى: فى هذا الحديث معنى لطيف، و ذلك أنه- صلى اللّه عليه و سلم- استعاذ باللّه و سأله أن يجيره برضاه من سخطه، و بمعافاته من عقوبته، و الرضا و السخط ضدان متقابلان، و كذلك المعافاة و المعاقبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له و هو اللّه تعالى استعاذ به منه، و معناه: الاستغفار من التقصير فى بلوغ الواجب من حق عبادته و الثناء عليه.
و قوله: «لا أحصى ثناء عليك» أى لا أطيقه و لا آتى عليه، و قيل: لا أحيط به، و قال مالك: لا أحصى نعمتك و إحساناتك و الثناء بهما عليك و إن اجتهدت فى الثناء عليك.
و قوله: «أنت كما أثنيت على نفسك» اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، فإنه لا يقدر على بلوغ حقيقته، ورد الثناء إلى الجملة دون التفصيل و الإحصاء و التعيين، فوكل ذلك كله للّه تعالى المحيط بكل شيء جملة و تفصيلا، و كما أنه لا نهاية لصفاته لا نهاية للثناء عليه، لأن الثناء تابع للمثنى عليه، فكل شيء أثنى به عليه- و إن كثر و طال و بولغ فيه- فقدر اللّه أعظم و سلطانه أعز، و صفاته أكثر و أكبر، و فضله و إحسانه أوسع و أسبغ.
انتهى.
و هاهنا فائدة لطيفة ذكرها بعض المحققين، فى نهيه- صلى اللّه عليه و سلم- عن قراءة القرآن فى الركوع و السجود [٢]، و هى أن القرآن أشرف الكلام، و حالتا الركوع
[١] صحيح: أخرجه مسلم (٤٨٦) فى الصلاة، باب: ما يقال فى الركوع و السجود.
[٢] صحيح: و الحديث الدال على ذلك أخرجه مسلم (٤٧٩) فى الصلاة، باب: النهى عن قراءة القرآن فى الركوع و السجود، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-.