المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٨٤ - الفصل السادس فى غسله- صلى اللّه عليه و سلم
الراوى ذلك من قرائن، أو بإعلامه له بعد ذلك. و ظاهر قوله: «فكبر» الاكتفاء بالإقامة السابقة، فيؤخذ منه جواز التخلل الكثير بين الإقامة و الدخول فى الصلاة. و عنده أيضا من حديث ميمونة: وضعت للنبى- صلى اللّه عليه و سلم- غسلا و سترته بثوب، و صب على يديه فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها، فتمضمض و استنشق، و غسل وجهه و ذراعيه، ثم صب على رأسه، و أفاض على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه، فناولته ثوبا فلم يأخذه، فانطلق و هو ينفض يديه [١]. و قد استدل بعضهم بقولها: «فناولته ثوبا فلم يأخذه» على كراهة التنشيف بعد الغسل. و لا حجة فيه، لأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة أو غير ذلك. قال المهلب [٢]: يحتمل تركه الثوب لإبقاء بركة بلل الماء، و للتواضع، أو لشيئ رآه فى الثوب من حرير أو وسخ. و قد وقع عند أحمد فى هذا الحديث عن الأعمش قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: لا بأس بالمنديل، و إنما رده مخافة أن يصير عادة.
و قال التيمى فى شرحه: فى هذا الحديث دليل على أنه كان ينشف، و لو لا ذلك لم تأته بالمنديل. و قال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة فى التنشيف لأن كلّا منهما إزالة. و قال النووى: اختلف أصحابنا فيه على خمسة أوجه، أشهرها: أن المستحب تركه، و قيل مكروه، و قيل مباح، و قيل مستحب، و قيل مكروه فى الصيف مباح فى الشتاء. و في هذا الحديث جواز نفض اليدين من ماء الغسل، و كذا ماء الوضوء، و لكن فيه حديث ضعيف أورده الرافعى و غيره، و لفظه: «تنفضوا أيديكم فى الوضوء فإنها مراوح الشيطان» قال ابن الصلاح: لم أجده، و تبعه النووى.
و قالت عائشة: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- إذا أراد أن ينام و هو جنب غسل
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٢٦٦) فى الغسل، باب: من أفرغ بيمينه على شماله فى الغسل.
[٢] هو: المهلب بن أحمد بن أبى صفرة، و قد تقدمت ترجمته.