المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٢٢ - الفصل الثامن فى وصاله- صلى اللّه عليه و سلم
و قد اختلف الناس فى الوصال لنا، هل هو جائز أو محرم أو مكروه؟
فقال طائفة: إنه جائز إن قدر عليه، و هذا يروى عن عبد اللّه بن الزبير و غيره من السلف، و كان ابن الزبير يواصل الأيام، و روى ابن أبى شيبة بإسناد صحيح أنه كان يواصل خمسة عشر يوما، و ذكر معه من الصحابة أيضا أخت أبى سعيد، و من التابعين عبد الرحمن بن أبى معمر، و عامر بن عبد اللّه بن الزبير، و إبراهيم بن يزيد التيمى، و أبا الجوزاء، كما نقله أبو نعيم فى الحلية.
و من حجتهم أنه- صلى اللّه عليه و سلم- واصل بأصحابه بعد النهى، فلو كان النهى للتحريم لما أقرهم على فعله، فعلم أنه أراد بالنهى الرحمة لهم و التخفيف عنهم، كما صرحت به عائشة فى حديثها، فمن لم يشق عليه و لم يقصد موافقته أهل الكتاب فى تأخيرهم الفطر. و لا رغب عن السنة فى تعجيل الفطر لم يمنع من الوصال.
و من أدلة الجواز أيضا: إقدام الصحابة عليه بعد النهى، فدل على أنهم فهموا أن النهى للتنزيه لا للتحريم، و إلا لما قدموا عليه. و قال الأكثرون: لا يجوز الوصال، و به قال مالك و أبو حنيفة، و نص الشافعى و أصحابه على كراهته، و لهم فى هذه الكراهة و جهان: أصحهما: أنها كراهة تحريم، و الثانى: أنها كراهة تنزيه. و اختار ابن وهب و أحمد بن حنبل و إسحاق جواز الوصال إلى السحر، لحديث أبى سعيد عند البخاري: «عنه- صلى اللّه عليه و سلم-: «لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» [١]، و هذا الوصال لا يترتب عليه شيء مما يترتب على غيره، لأنه فى الحقيقة بمنزلة عشائه، إلا أنه يؤخره، لأن الصائم له فى اليوم و الليلة أكلة، فإذا أكلها فى السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره، و كان أخف لجسمه فى قيام الليل، و لا يخفى أن محل ذلك ما لم يشق على الصائم، و إلا فلا يكون قربة.
و قد صرح فى الحديث بأن الوصال من خصائصه- صلى اللّه عليه و سلم- فقال: «إنى
[١] أخرجه الدارمى (١٧٠٥) فى الصوم، باب: النهى عن الوصال فى الصوم. من حديث أبى سعيد الخدرى- رضى اللّه عنه-.