المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٦٧ - المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته و نقلته إلى حظيرة قدسه لديه- صلى اللّه عليه و سلم
و اختلف فى قول أبى بكر- رضى اللّه عنه-: «لا يجمع اللّه عليك موتتين».
فقيل هو على حقيقته، و أشار بذلك إلى الرد على من زعم أنه سيحيا فيقطع أيدى رجال، لأنه لو صح ذلك للزم أن يموت موتة أخرى، فأخبر أنه أكرم على اللّه من أن يجمع عليه موتتين كما جمعهما على غيره، كالذين خرجوا من ديارهم و هم ألوف، و كالذى مر على قرية، و هذا أوضح الأجوبة و أسلمها.
و قيل: أراد أنه لا يموت موتة أخرى فى القبر كغيره، إذ يحيا ليسأل ثم يموت، و هذا جواب الداودى. و قيل: لا يجمع اللّه موت نفسك و موت شريعتك. و قيل: كنى بالموت الثانى عن الكرب، أى لا يلقى بعد كرب الموت كربا آخر. قاله فى فتح البارى.
و عنها: أن عمر قام يقول: و اللّه ما مات رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فقبله و قال: بأبى أنت و أمى، طبت حيّا و ميتا، و الذي نفسى بيده، لا يذيقك اللّه الموتتين أبدا، ثم خرج فقال: أيها الحالف، على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد اللّه أبو بكر و أثنى عليه و قال: ألا من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد اللّه فإن اللّه حى لا يموت، و قال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [١] و قال:
وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [٢] الآية، قال: فنشج الناس يبكون [٣]، رواه البخاري.
يقال: نشج الباكى، إذا غص بالبكاء فى حلقه من غير انتحاب.
و عن سالم بن عبيد الأشجعى قال: لما مات رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- كان أجزع الناس كلهم عمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه-، فأخذ بقائم سيفه و قال: لا أسمع أحدا يقول: مات رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- إلا ضربته بسيفى هذا، قال: فقال
[١] سورة الزمر: ٣٠.
[٢] سورة آل عمران: ١٤٤.
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (١٢٤٢) و قد تقدم.