المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٠٢ - النوع الثالث فى ذكر سيرته- صلى اللّه عليه و سلم- فى الزكاة
فى حديث ضمام بن ثعلبة، و حديث وفد عبد القيس، و مخاطبة أبى سفيان مع هرقل و كان فى أول السابعة، و قال فيها: يأمرنا بالزكاة.
و قوى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع فى قصة ثعلبة بن حاطب المطولة ففيها: لما أنزلت آية الصدقة بعث النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- عاملا: فقال: ما هذه إلا الجزية أو أخت الجزية، و الجزية إنما وجبت فى التاسعة، فتكون الزكاة فى التاسعة. لكنه حديث ضعيف لا يحتج بمثله. و ادعى ابن خزيمة فى صحيحه أن فرضها كان قبل الهجرة، و احتج بما أخرجه من حديث أم سلمة فى قصة هجرتهم إلى الحبشة، و فيها: أن جعفر بن أبى طالب قال للنجاشى فى جملة ما أخبره به عن الرجل: الذي يأمرنا بالصلاة و الزكاة و الصيام. انتهى.
و فى الاستدلال بذلك نظر، لأن الصلوات الخمس لم تكن فرضت بعد، و لا صيام رمضان، فيحتمل أن تكون مراجعة جعفر لم تكن فى أول ما قدم على النجاشى، و إنما أخبره بذلك بعد مدة قد وقع فيها ما ذكر من فريضة الصلاة و الصيام، و بلغ ذلك جعفرا فقال: يأمرنا، يعنى أمته، و هو بعيد جدّا. و أولى ما حمل عليه حديث أم سلمة هذا- إن سلم من قدح فى إسناده- أن المراد بقول جعفر «يأمرنا بالصلاة و الزكاة و الصيام» أى فى الجملة، و لا يلزم من ذلك أن يكون المراد بالصلاة الصلوات الخمس و لا بالصيام صيام شهر رمضان، و لا بالزكاة هذه الزكاة المخصوصة ذات النصاب و الحول.
و مما يدل على أن فرض الزكاة كان قبل التاسعة حديث أنس فى قصة ضمام بن ثعلبة. و قوله: «أنشدك اللّه، آللّه أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟» [١] و كان قدوم ضمام سنة خمس، و إنما الذي وقع فى التاسعة بعث العمال لأخذ الصدقات، و ذلك يستدعى تقدم فريضة الزكاة قبل ذلك.
و مما يدل على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقهم على أن صيام
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٦٣) فى العلم، باب: ما جاء فى العلم و قوله تعالى «وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» من حديث أنس بن مالك- رضى اللّه عنه-.