المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٣٢ - الفصل الثالث فى إنبائه- صلى اللّه عليه و سلم- بالأنباء المغيبات
و لا يغزونا» [١]، فلم يغز- صلى اللّه عليه و سلم- بعدها. و بعث- صلى اللّه عليه و سلم- جيشا إلى مؤتة، و أمر عليهم زيد بن حارثة ثم قال: «فإن أصيب فجعفر بن أبى طالب، فإن أصيب فعبد اللّه بن رواحة»، فلما التقى المسلمون بمؤتة جلس النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- على المنبر، فكشف له حتى نظر إلى معركتهم فقال: «أخذ الراية زيد بن حارثة حتى استشهد»، فصلى عليه ثم قال: «استغفروا له، ثم أخذ الراية جعفر بن أبى طالب حتى استشهد»، فصلى عليه ثم قال: «استغفروا لأخيكم جعفر، ثم أخذ الراية عبد اللّه بن رواحة فاستشهد» فصلى عليه، ثم قال:
«استغفروا لأخيكم» [٢]. فأخبر أصحابه بقتلهم فى الساعة التي قتلوا فيها، و مؤتة دون دمشق بأرض البلقاء.
و عن أسماء بنت عميس قالت: دخل رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- صبيحة اليوم الذي قتل فيه جعفر و أصحابه فقال: «يا أسماء، أين بنو جعفر» فجئت بهم، فضمهم و شمهم ثم ذرفت عيناه بالدموع فبكى، فقلت: يا رسول اللّه، أبلغك عن جعفر شيء؟ قال: «نعم قتل اليوم» [٣]، رواه يعقوب الأسفرايني فى كتاب دلائل الإعجاز، و خرجه ابن إسحاق و البغوى.
و من ذلك، قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «زويت لى الأرض، فرأيت مشارقها و مغاربها، و سيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها» [٤]، فكان كذلك امتدت فى المشارق و المغارب ما بين أقصى الهند إلى أقصى المشرق إلى بحر طنجة حيث لا عمارة وراءه، و ذلك ما لم تملكه أية أمة من الأمم.
و من ذلك: إعلامه قريشا بأكل الأرضة ما فى صحيفتهم التي تظاهروا
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٤١١٠) فى المغازى، باب: غزوة الخندق، و هى الأحزاب، من حديث سليمان بن حدد- رضى اللّه عنه-.
[٢] انظر القضية فى «دلائل النبوة» للبيهقى (٤/ ٣٦١- ٣٦٢).
[٣] أخرجه ابن سعد فى «الطبقات» (٨/ ٢٢٠).
[٤] صحيح: أخرجه ابن ماجه (٣٩٥٢) فى الفتن، باب: ما يكون من الفتن، و هو عند مسلم (٢٨٨٩) بنحوه فى الفتن، باب: هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، من حديث ثوبان- رضى اللّه عنه-.