المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٨٦ - المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته و نقلته إلى حظيرة قدسه لديه- صلى اللّه عليه و سلم
الأمة: سمعته يقول: «ما دفن نبى إلا حيث يموت» [١]. ذكره ابن ماجه و الموطأ كما تقدم. و فى رواية الترمذى: «ما قبض اللّه نبيّا إلا فى الموضع الذي يحب أن يدفن فيه، ادفنوه فى موضع فراشه» [٢].
و لأنهم اشتغلوا فى الخلاف الذي وقع بين المهاجرين و الأنصار فى البيعة، فنظروا فيها حتى استقر الأمر فى الخلافة و نظامها، فبايعوا أبا بكر، ثم بايعوه بالغد بيعة أخرى على ملأ منهم، و كشف اللّه به الكربة من أهل الردة، ثم رجعوا بعد ذلك إلى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، فنظروا فى دفنه فغسلوه و كفنوه و دفنوه.
و لما قبض- صلى اللّه عليه و سلم- تزينت الجنان ليوم قدوم روحه الكريمة، لا كزينة المدينة يوم قدوم الملك. إذا كان عرش الرحمن قد اهتز لموت بعض أتباعه فرحا و استبشارا لقدوم روحه، فكيف بقدوم روح الأرواح.
و لما قدم- صلى اللّه عليه و سلم- المدينة لعبت الحبشة بحرابهم فرحا بقدومه. كما رواه أبو داود من حديث أنس، و فى رواية الدارمى قال أنس: ما رأيت يوما كان أحسن و لا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- المدينة، و ما رأيت يوما كان أقبح و لا أظلم من يوم مات فيه رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- [٣].
و فى رواية الترمذى: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، و ما نفضنا أيدينا من التراب، و إنا لفى دفنه، حتى أنكرنا قلوبنا [٤].
و من آياته- صلى اللّه عليه و سلم- ما ذكر من بعد موته، من حزن حماره عليه حتى
[١] تقدم.
[٢] تقدم.
[٣] أخرجه الدارمى (٨٨) فى المقدمة، باب: فى وفاة النبيّ. من حديث أنس بن مالك- رضى اللّه عنه-.
[٤] صحيح: أخرجه الترمذى (٣٦١٨) فى المناقب، باب: فى فضل النبيّ. من حديث أنس ابن مالك- رضى اللّه عنه-، قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى».