المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٧٠ - الفصل الثانى فى صلاته- صلى اللّه عليه و سلم- صلاة الاستسقاء
و لا شيء مما يأكل الناس عندنا * * * سوى الحنظل العامى و العلهز الغسل
و ليس لنا إلا إليك فرارنا * * * و أين فرار الناس إلا إلى الرسل
فقام- صلى اللّه عليه و سلم- يجر رداءه، حتى صعد المنبر، فرفع يديه إلى السماء ثم قال: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا مربعا غدقا طبقا نافعا غير ضار، عاجلا غير رائث، تملأ به الضرع و تنبت به الزرع، و تحيى به الأرض بعد موتها» قال: فما رد- صلى اللّه عليه و سلم- يديه إلى نحره حتى ألقت السماء بأبراقها، و جاء أهل البطانة يضجون: الغرق الغرق، فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «حوالينا و لا علينا» فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل. و ضحك- صلى اللّه عليه و سلم- حتى بدت نواجذه، ثم قال: «للّه در أبى طالب، لو كان حيّا لقرت عيناه. من ينشدنا قوله؟» فقال على: يا رسول اللّه كأنك تريد قوله:
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه * * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
تطيف به الهلاك من آل هاشم * * * فهم عنده فى نعمة و فواضل
كذبتم و بيت اللّه نبزى محمدا * * * و لما نطاعن حوله و نناضل
و نسلمه حتى نصرع حوله * * * و نذهل عن أبنائنا و الحلائل
فقال: «أجل» رواه البيهقي.
و قوله: «يدمى لبانها» أى يدمى صدرها لامتهانها نفسها فى الخدمة حيث لا تجد ما تعطيه من يخدمها من الجدب و شدة الزمان، و أصل اللبان من الفرس موضع اللبب ثم استعير للناس. و قوله: «ما يمر و ما يحلى» أى ما ينطق بخير و لا بشر من الجوع و الضعف. و قوله: «سوى الحنظل العامى» نسبة إلى العام، لأنه يتخذ فى عام الجدب، كما قالوا للجدب: السنة. «و العلهز» بالكسر، طعام كانوا يتخذونه من الدم و وبر البعير فى سنى المجاعة. قاله الجوهرى. و «الغسل» الرذل، قال السهيلى: فإن قلت: كيف قال أبو طالب «و أبيض يستسقى الغمام بوجهه» و لم يره قط يستسقى، و إنما كان ذلك منه بعد الهجرة؟