المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٨٣ - ذكر طبه- صلى اللّه عليه و سلم- من الحمى
الانتفاع به، و هذا كما وقع فى أمره العائن بالاغتسال و أطلق، و قد ظهر من الحديث الآخر أنه لم يرد مطلق الاغتسال، و إنما أراد الاغتسال على كيفية مخصوصة، و أولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى بالماء ما صنعته أسماء بنت أبى بكر الصديق- رضى اللّه عنهما-: فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئا من الماء بين يديه و ثوبه، فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها، و الصحابى و لا سيما مثل أسماء بنت أبى بكر التي هى كانت تلازم بيت النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أعلم بالمراد من غيرها.
و قد ذكر أبو نعيم و غيره، من حديث أنس يرفعه: «إذا حم أحدكم فليرش عليه الماء البارد ثلاث ليال من السحر» [١]. و قال المازرى: لا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجا إلى التفصيل حتى إن المريض يكون الشيء دواءه فى ساعة فيكون داءه فى الساعة التي تليها لعارض يعرض له من غضب يحمى مزاجه مثلا فيتغير علاجه، و مثل ذلك كثير. فإذا فرض وجود الشفاء لشخص لشيئ فى حالة ما لم يلزم منه وجود الشفاء به له أو لغيره فى سائر الأحوال. و الأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن و الزمان و العادة و الغذاء المتقدم و التأثير المألوف، و قوة الطباع. و يحتمل أن يكون هذا فى وقت مخصوص فيكون من الخواص التي اطلع عليها النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- بالوحى، و يضمحل عند ذلك جميع كلام أهل الطب.
و جعل ابن القيم خطابه- صلى اللّه عليه و سلم- فى هذا الحديث خاصّا لأهل الحجاز و ما والاهم، إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليومية العرضية، الحادثة من شدة حرارة الشمس. قال: هذه ينفعها الماء البارد شربا و اغتسالا، لأن الحمى حرارة غريبة تشتعل فى القلب، و تنشر منه بتوسط الروح و الدم فى العروق إلى جميع البدن و هى قسمان: عرضية و هى الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة الشمس، أو القيظ الشديد و نحو ذلك،
[١] صحيح: أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٢٢٣ و ٤٤٧)، و قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه، و هو كما قال.