المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٥٧ - الفصل الأول فى ذكر وضوئه- صلى اللّه عليه و سلم- و سواكه و مقدار ما كان يتوضأ به
قال ابن دقيق العيد: الذين اشترطوا النية، قدروا: صحة الأعمال، و الذين لم يشترطوها قدروا: كمال الأعمال. و رجح الأول لأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى.
و فى هذا الكلام إيهام أن بعض العلماء لا يرى اشتراط النية، و ليس الخلاف بينهم فى ذلك إلا فى الوسائل، و أما المقاصد فلا اختلاف بينهم فى اشتراط النية لها. و من ثم خالف الحنفية فى اشتراطها للوضوء كما تقدم، و خالف الأوزاعى فى اشتراطها فى التيمم أيضا. نعم بين العلماء اختلاف فى اقتران النية بأول العمل كما هو معروف فى مبسوطات الفقه.
و أما قوله- أى البخاري- «فدخل فيه الإيمان»، فتوجيه دخول النية فى الإيمان على طريقة البخاري: أن الإيمان عمل، و أما الإيمان بمعنى التصديق فلا يحتاج إلى نية كسائر أعمال القلوب، من خشية اللّه و تعظيمه و محبته و التقرب إليه، لأنها متميزة للّه فلا تحتاج إلى نية تميزها، لأن النية إنما تميز العمل للّه عن العمل لغيره رياء، و تميز مراتب الأعمال كالفرض عن الندب، و تميز العبادة عن العادة كالصوم عن الحمية.
و قوله أيضا: «و الأحكام» أى المعاملات التي يدخل فيها الاحتياج إلى المحاكمات فتشمل البيوع و الأنكحة و الأقارير و غيرها، و كل صورة لم تشترط فيها النية فذلك لدليل خاص.
و قد ذكر ابن المنير ضابطا- لما تشترط فيه النية مما لا تشترط فيه- فقال:
كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة بل المقصود به طلب الثواب فالنية مشترطة فيه، و كل عمل ظهرت فائدته ناجزة، و تقاضته الطبيعة قبل الشريعة لملاءمة بينهما فلا تشترط النية فيه إلا لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب.
قال: و إنما اختلف العلماء فى بعض الصور من جهة تحقيق مناط التفرقة.
قال: و أما ما كان من المعانى المحضة كالخوف و الرجاء فهذا لا يقال باشتراط النية فيه لأنه لا يمكن أن يقع إلا منويّا، و متى فرضت النية مفقودة فيه استحالت حقيقته، فالنية فيه شرط عقلى.