المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٥٨ - الفصل الأول فى ذكر وضوئه- صلى اللّه عليه و سلم- و سواكه و مقدار ما كان يتوضأ به
و أما الأقوال، فتحتاج إلى النية فى ثلاثة مواطن: أحدها: التقرب إلى اللّه تعالى فرارا من الرياء، و الثانى: التمييز عن الألفاظ المحتملة لغير المقصود. و الثالث: قصد الإنشاء ليخرج سبق اللسان. انتهى، ذكره الحافظ ابن حجر فى فتح البارى.
و قد اختلف العلماء فى الوقت الذي وجب فيه الوضوء:
فقال بعضهم: أول ما فرض بالمدينة، و تمسك بقوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [١] الآية. و نقل ابن عبد البر اتفاق أهل السير على أن غسل الجنابة فرض عليه- صلى اللّه عليه و سلم- و هو بمكة، كما افترضت الصلاة، و أنه لم يصل قطّ إلا بوضوء، و قال: و هذا مما لا يجهله عالم.
و قال الحاكم فى المستدرك: أهل السنة بهم حاجة إلى دليل الرد على من زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة، ثم ساق حديث ابن عباس:
دخلت فاطمة- رضى اللّه عنها- على النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و هى تبكى فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك، فقال: «ائتونى بوضوء فتوضأ» [٢]. قال الحافظ ابن حجر: و ذا يصلح أن يكون ردّا على من أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة، لا على من أنكر وجوبه حينئذ.
و قد جزم ابن الجهم المالكى بأنه كان قبل الهجرة مندوبا، و جزم ابن حزم بأنه لم يشرع إلا بالمدينة. ورد عليه بما أخرجه ابن لهيعة فى المغازى التي يرويها عن أبى الأسود عن عروة أن جبريل٧ علم النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- الوضوء عند نزوله عليه بالوحى. و هو مرسل، و وصله أحمد من طريق ابن لهيعة أيضا، لكن قال: عن الزهرى عن عروة، عن أسامة بن زيد عن أبيه، و أخرجه ابن ماجه من رواية رشدين بن سعد عن عقيل عن الزهرى نحوه،
[١] سورة المائدة: ٦.
[٢] ضعيف: أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (١/ ٢٦٨)، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-، و قال الحاكم: حديث صحيح و لا أعلم له علة. قلت: إن مولد ابن عباس- رضى اللّه عنهما- كان فى الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، فمتى تحمل رواية هذا الخبر فى مكة قبل الهجرة!.