المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٩٦ - النوع السادس فى ذكر حجه و عمره- صلى اللّه عليه و سلم
قالوا: و لم يقع فى شيء من طرقه التصريح بسماعه لذلك من النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و لو وقع لقطعنا بأنه كان فى حجة الوداع لأنه شهدها و لم يشهد الحديبية. و قد وقع تعيين الحديبية من حديث جابر عند أبى قرة فى «السنن» و من طريقه الطبرانى فى الأوسط، و من حديث المسور بن مخرمة عند ابن إسحاق فى المغازى. و ورد تعيين حجة الوداع من حديث أبى مريم السلولى عند أحمد و ابن أبى شيبة، و من حديث أم الحصين عند مسلم و من حديث قارب بن الأسود الثقفى عند أحمد و ابن أبى شيبة، و من حديث أم عمارة عند الحارث.
و الأحاديث التي فيها تعيين حجة الوداع أكثر عددا، و أصح إسنادا، و لهذا قال النوى عقب أحاديث ابن عمر و أبى هريرة و أم الحصين: هذه أحاديث تدل على أن هذه الواقعة كانت فى حجة الوداع. قال: و هو الصحيح المشهور، و قيل: كانت فى الحديبية، و جزم إمام الحرمين فى النهاية أن ذلك كان فى الحديبية، ثم قال النووى: و لا يبعد أن يكون وقع ذلك فى الموضعين. انتهى. و كذا قال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب.
قال فى فتح البارى: بل هو المتعين لتظاهر الروايات بذلك فى الموضعين، إلا أن السبب فى الموضعين مختلف، فالذى فى الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال، لما دخل عليهم من الحزن، لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم فى أنفسهم على ذلك، فخالفهم النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و صالح قريشا على أن يرجع من العام المقبل، فلما أمرهم بالإحلال توقفوا، فأشارت أم سلمة أن يحل هو- صلى اللّه عليه و سلم- قبلهم ففعل، فتبعوه فحلق بعضهم وقص بعضهم، فكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر، ممن اقتصر على التقصير، و قد وقع التصريح بهذا السبب فى حديث ابن عباس، فإن فى آخره عند ابن ماجه و غيره أنهم قالوا: يا رسول اللّه، ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: «لأنهم لم يشكوا».
و أما السبب فى تكرير الدعاء للمحلقين فى حجة الوداع، فقال ابن