المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٦٧ - الفصل الثالث فى تفضيله- صلى اللّه عليه و سلم- فى الآخرة إلخ
و قد ذهب بعضهم إلى أن المراد من قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [١] الجواز على الصراط لأنه ممدود على النار.
و روى ابن عساكر عن ابن عباس و ابن مسعود و كعب الأحبار أنهم قالوا: الورود المرور على الصراط. و قيل الورود: الدخول.
و عن أبى سمية قال: اختلفنا فى الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، و قال بعضنا: يدخلونها جميعا، ثم ينجى اللّه الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد اللّه، فقلت له: اختلفنا فى الورود فقال: يردونها جميعا، فقلت له: إنا اختلفنا فى ذلك، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، و قال بعضنا:
يدخلونها جميعا، فأهوى بإصبعيه إلى أذنيه و قال: صمتا إن لم أكن سمعت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يقول: «الورود الدخول، لا يبقى بر و لا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا و سلاما كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار- أو قال: لجهنم- ضجيجا من بردهم، ثم ينجى اللّه الذين اتقوا و يذر الظالمين فيها جثيّا». رواه أحمد و البيهقي بإسناد حسن.
و أخرج ابن الجوزى- كما ذكره القرطبى فى التذكرة- رفعه: الزالون عن الصراط كثير، و أكثر من يزل عنه النساء، قال: و إذا صار الناس على طرفى الصراط نادى ملك من تحت العرش: يا فطرة الملك الجبار جوزوا على الصراط و ليقف كل عاص منكم و ظالم. فيا لها من ساعة ما أعظم خوفها، و أشد حرها، يتقدم فيها من كان فى الدنيا ضعيفا مهينا، و يتأخر عنها من كان فيها عظيما مكينا، ثم يؤذن لجميعهم بعد ذلك فى الجواز على الصراط على قدر أعمالهم، فإذا عصف الصراط بأمة محمد- صلى اللّه عليه و سلم- نادوا: وا محمّداه وا محمداه، فبادر- صلى اللّه عليه و سلم- من شدة إشفاقه عليهم، و جبريل آخذ بحجزته، فينادى- صلى اللّه عليه و سلم- رافعا صوته: رب أمتى أمتى، لا أسلك اليوم نفسى و لا فاطمة ابنتى، و الملائكة قيام عن يمين الصراط و يساره ينادون رب سلم. و قد عظمت الأهوال و اشتدت الأوجال، و العصاة يتساقطون عن اليمين و الشمال، و الزبانية يتلقونهم بالسلاسل و الأغلال، و ينادونهم: أ ما نهيتم عن كسب
[١] سورة مريم: ٧١.