المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤١٤ - الفصل الرابع فيما كان يفعله- صلى اللّه عليه و سلم- و هو صائم
عبد الرحمن بن أبى ليلى عن رجل من أصحاب رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال:
نهى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- عن الحجامة للصائم، و عن المواصلة، و لم يحرمهما إبقاء على أصحابه [١]. و إسناده صحيح، و الجهالة بالصحابى لا تضر، و رواه ابن أبى شيبة عن وكيع عن الثورى بلفظ «عن أصحاب محمد- صلى اللّه عليه و سلم- قالوا: إنما نهى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- عن الحجامة للصائم و كرهها للضعف» [٢] أى لئلا يضعف. انتهى ملخصا من فتح البارى و اللّه أعلم.
و قالت عائشة: (كان- صلى اللّه عليه و سلم- يقبل بعض أزواجه و هو صائم، ثم ضحكت» [٣] رواه البخاري و مسلم و مالك و أبو داود. قالت: (و كان أملككم لإربه) [٤] أى لحاجته، تعنى أنه كان غالبا لهواه. قال ابن الأثير: أكثر المحدثين يروونه بفتح الهمزة و الراء، يعنون به الحاجة، و بعضهم يرويه بكسر الهمزة و سكون الراء، و له تأويلان: أحدهما: أنه الحاجة يقال فيها؛ الأرب، و الإرب، و الإربة و المأربة، و الثانى: أرادت به العضو، و عنت به من الأعضاء الذكر خاصة، انتهى. فمذهب الشافعى و الأصحاب: أن القبلة ليست محرمة على من لم تحرك شهوته، لكن الأولى تركها، و أما من حركت شهوته فهى حرام فى حقه على الأصح عند أصحابنا.
و قوله: «فضحكت» قيل: يحتمل ضحكها التعجب ممن خالف هذا، و قيل: تعجبت من نفسها، إذ حدثت بمثل هذا مما يستحى من ذكر النساء مثله للرجال، و لكنها ألجأتها الضرورة فى تبليغ العلم إلى ذكر ذلك، و قد يكون خجلا لإخبارها عن نفسها بذلك، أو تنبيها على أنها صاحبة القصة ليكون ذلك أبلغ فى الثقة بها، أو سرورا بمكانتها من النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و محبته لها.
[١] صحيح: أخرجه أبو داود (٢٣٧٤) فى الصوم، باب: فى الرخصة فى ذلك، عن عبد الرحمن ابن أبى ليلى عن رجل من أصحاب النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود».
[٢] انظره: فى «فتح البارى» (٤/ ١٧٨).
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (١٩٢٧) فى الصوم، باب: المباشرة للصائم، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.
[٤] تقدم فى الذي قبله.