المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٦ - الفصل الأول فى طبه- صلى اللّه عليه و سلم- لذوى الأمراض و العاهات
قال: نعم، قيل له من أين ذلك؟ قال: من وجود ذلك عن سيد المتوكلين، الذي لم يلحقه لا حق، و لا يسبقه فى التوكل سابق، محمد خير البرية- صلى اللّه عليه و سلم-. قيل له: ما تقول فى خبر النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «من استرقى أو اكتوى برئ من التوكل» [١]؟ قال: برئ من توكل المتوكلين الذين ذكرهم فى حديث آخر فقال: «يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفا بغير حساب» [٢]، و أما سواهم من المتوكلين فمباح لهم الدواء و الاسترقاء. فجعل المحاسبى التوكل بعضه أفضل من بعض.
و قال فى «التمهيد»: إنما أراد بقوله: «برئ من التوكل» إذا استرقى الرقى المكروهة فى الشريعة، أو اكتوى و هو يعلق رغبته فى الشفاء بوجود الكى، و كذلك قوله «لا يسترقون» الرقى المخالفة للشريعة، «لا يكتوون» و قلوبهم معلقة بنفع الكى و معرضة عن فعل اللّه تعالى و أن الشفاء من عنده.
و أما إذا فعل ذلك على ما جاء فى الشريعة، و كان ناظرا إلي رب الدواء، و توقع الشفاء من اللّه تعالى، و قصد بذلك استعمال بدنه إذا صح للّه تعالى، و إتعاب نفسه و كدها فى خدمة ربه، فتوكله باق على حاله لا ينقص منه الدواء شيئا، استدلالا بفعل سيد المتوكلين إذ عمل بذلك فى نفسه و فى غيره انتهى.
فقد تبين أن التداوى لا ينافى التوكل، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها اللّه تعالى مقتضيات لمسبباتها قدرا و شرعا، و أن تعطيلها يقدح فى نفس التوكل، كما يقدح فى الأمر و الحكمة.
[١] أخرجه الترمذى (٢٠٥٥) فى الطب، باب: ما جاء فى كراهية الرقية، و ابن ماجه (٣٤٨٩) فى الطب، باب: الكى، و أحمد فى «المسند» (٤/ ٢٤٩ و ٢٥٣)، و ابن حبان فى «صحيحه» (٦٠٨٧)، من حديث المغيرة بن شعبة- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٦٠٨١).
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٥٧٠٥) فى الطب، باب: من اكتوي أو كوى غيره و فضل من لم يكتو، و مسلم (٢٢٠) فى الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب و لا عذاب، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-.