المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٦ - ذكر دوائه- صلى اللّه عليه و سلم- من داء السحر
و قال المازرى: جمهور العلماء على إثبات السحر، لأن العقل لا ينكر أن اللّه قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق، أو تركيب أجسام، أو مزج قوى على ترتيب مخصوص. و نظير ذلك ما وقع من حذاق الأطباء من مزج بعض العقاقير ببعض حتى ينقلب الضار منها بمفرده فيصير بالتركيب نافعا. و قيل: لا يزيد تأثير السحر على ما ذكر اللّه فى قوله: يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ [١]، لكون المقام مقام تهويل. فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكره اللّه تعالى. و قال المازرى: و الصحيح من جهة العقل أن يقع به أكثر من ذلك، قال: و الآية ليست نصّا فى منع الزيادة، و لو قلنا إنها ظاهرة فى ذلك.
ثم قال: و الفرق بين السحر و المعجزة و الكرامة، أن السحر يكون معاناة أقوال و أفعال حتى يتم للساحر ما يريد، و الكرامة لا تحتاج إلى ذلك، إنما تقع غالبا اتفاقا، و أما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدى.
و نقل إمام الحرمين: الإجماع على أن السحر لا يقع إلا من فاسق، و أن الكرامة لا تظهر على يد فاسق. و نقل نحوه النووى فى «زيادة الروضة» عن المتولى. و ينبغى أن يعتبر حال من يقع منه الخارق، فإن كان متمسكا بالشريعة متجنبا للموبقات، فإن الذي يظهر على يديه من الخوارق كرامة و إلا فهو سحر.
و قال القرطبى: السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، و مادته الوقوف على خواص الأشياء و العلم بوجود تركيبها و أوقاتها، و أكثرها تخييلات بغير حقيقة و إيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك، كما قال تعالى عن سحرة فرعون وَ جاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [٢] مع أن حبالهم و عصيهم لم يخرجوها عن كونها حبالا و عصيّا.
و قال أبو بكر الرازى فى «الأحكام»: (أخبر اللّه تعالى أن الذي ظنه
[١] سورة البقرة: ١٠٢.
[٢] سورة الأعراف: ١١٦.