المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٥٧ - المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته و نقلته إلى حظيرة قدسه لديه- صلى اللّه عليه و سلم
و قد نقل الدمياطى: أن الصديق صلى بالناس سبع عشرة صلاة. و قد ذكر الفاكهى فى «الفجر المنير» مما عزاه لسيف الدين بن عمر فى كتاب «الفتوح» أن الأنصار لما رأوا رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يزداد وجعا، أطافوا بالمسجد، فدخل العباس فأعلمه- صلى اللّه عليه و سلم- بمكانهم و إشفاقهم، ثم دخل عليه الفضل فأعلمه بمثل ذلك، ثم دخل عليه على بن أبى طالب كذلك. فخر- صلى اللّه عليه و سلم- متوكئا على علي و الفضل و العباس أمامه، و النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- معصوب الرأس يخط برجليه، حتى جلس على أسفل مرقاة من المنبر و ثار الناس إليه، فحمد اللّه و أثنى عليه و قال: يا أيها الناس، بلغنى أنكم تخافون من موت نبيكم، هل خلد نبى قبلى فيمن بعث إليه فأخلد فيكم؟ ألا إنى لاحق بربى، و إنكم لاحقون به، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا، و أوصى المهاجرين فيما بينهم، فإن اللّه تعالى يقول: وَ الْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [١] إلى آخرها، و إن الأمور تجرى بإذن اللّه تعالى، و لا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله، فإن اللّه عز و جل لا يعجل بعجلة أحد، و من غالب اللّه غلبه، و من خادع اللّه خدعه، فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ [٢]، و أوصيكم بالأنصار خيرا، فإنهم الذين تبوؤا الدار و الإيمان من قبلكم أن تحسنوا إليهم، أ لم يشاطروكم فى الثمار؟ أ لم يوسعوا لكم فى الديار؟ أ لم يؤثروكم على أنفسهم و بهم الخصاصة؟ ألا فمن ولى أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم و ليتجاوز عن مسيئهم، ألا و لا تستأثروا عليهم، إلا و إنى فرط لكم، و أنتم لاحقون بى، إلا و إن موعدكم الحوض، ألا فمن أحب أن يرده علىّ غدا فليكفف يده و لسانه، إلا فيما ينبغى، يا أيها الناس، إن الذنوب تغير النعم، و تبدل القسم، فإذا برّ الناس، برّهم أئمتهم، و إذا فجر الناس عقوهم.
و فى حديث أنس عند البخاري: قال: مرّ أبو بكر و العباس بمجلس من مجالس الأنصار و هم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: ذكرنا مجلس النبيّ
[١] سورة العصر: ١، ٢.
[٢] سورة محمد: ٢٢.