المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٥٥ - المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته و نقلته إلى حظيرة قدسه لديه- صلى اللّه عليه و سلم
كتاب اللّه، فاختلف أهل البيت و اختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، و منهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو و الاختلاف، قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «قوموا». قال عبيد اللّه: فكان ابن عباس يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم و لغطهم [١].
قال المازرى: إنما جاز للصحابة الاختلاف فى هذا الكتاب: مع صريح أمره لهم بذلك. لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم، و صمم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال ذلك عن غير قصد جازم.
و قال النووى: اتفق العلماء على أن قول عمر: «حسبنا كتاب اللّه» [٢] من قوة فقهه و دقيق نظره، لأنه خشى أن يكتب أمورا ربما عجزوا عنها فيستحقوا العقوبة لكونها منصوصة، و أراد أن لا يسد باب الاجتهاد على العلماء، و فى تركه- صلى اللّه عليه و سلم- الإنكار على عمر إشارة إلى تصويبه، و أشار بقوله: «حسبنا كتاب اللّه» إلى قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [٣]، و لا يعارض ذلك قول ابن عباس: «إن الرزية إلخ» لأن عمر كان أفقه منه قطعا، و لا يقال إن ابن عباس لم يكتف بالقرآن مع أنه حبر القرآن، و أعلم الناس بتفسيره و تأويله، و لكنه أسفا على ما فاته من البيان بالتنصيص عليه، لكونه أولى من الاستنباط، و اللّه أعلم.
و لما اشتد به- صلى اللّه عليه و سلم- وجعه قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، فقالت
[١] صحيح: أخرجه البخاري (١١٤) فى العلم، باب: كتابة العلم. من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٤٤٣٢) فى المغازى، باب: مرض النبيّ و وفاته. من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما.
[٣] سورة الأنعام: ٣٨.