المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٠٢ - الفرع الثانى فى ذكر قراءته- صلى اللّه عليه و سلم- البسملة فى أول الفاتحة
و لذا قال الشافعى- ;- فى الأم، و نقله عنه الترمذى فى جامعه: المعنى أنهم يبدؤون بقراءة أم القرآن قبل ما يقرأ بعدها، لا أنهم يتركون البسملة أصلا.
و يتأيد بثبوت تسمية أم القرآن بجملة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [١] فى صحيح البخاري، و كذا بحديث قتادة قال: سئل أنس: كيف كانت قراءة رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-؟ قال: كانت مدّا، ثم قرأ: بسم اللّه الرحمن الرحيم، يمد «بسم اللّه» و يمد «الرحمن» و يمد «الرحيم» [٢]. كذا أخرجه البخاري فى
- الصحيحة لأن هذا من العلم الظاهر الذي يعرفه العام و الخاص كما يعلمون أن الفجر ركعتان و أن الظهر أربع، و أن الركوع قبل السجود، و التشهد بعد الجلوس إلى غير ذلك، فليس فى نقل مثل هذا فائدة، فكيف يجوز أن أنسا قصد تعريفهم بهذا و أنهم سألوه عنه و إنما مثل هذا مثل من يقول: فكانوا يركعون قبل السجود أو فكانوا يجهرون فى العشاءين و الفجر و يخافتون فى صلاة الظهر و العصر و اللّه أعلم، و أيضا فلو أريد الافتتاح بسورة الحمد لقيل كانوا يفتتحون القراءة بأم القرآن أو بفاتحة الكتاب أو بسورة الحمد، هذا هو المعروف فى تسميتها عندهم و أما تسميتها بالحمد للّه رب العالمين فلم ينقل عن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و لا عن الصحابة و التابعين و لا عن أحد يحتج بقوله، و أما تسميتها بالحمد فقط فعرف متأخر، يقولون فلان قرأ الحمد، و أين هذا من قوله «فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد للّه رب العالمين» فإن هذا لا يجوز أن يراد به السورة إلا بدليل صحيح، و أن للمخالف ذلك. ا. ه و مما سبق يتبين أن رواية مسلم صحيحة، و ليست بمعلولة، و أن الصحيح عن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، أنه ما كان يجهر ب بسم اللّه الرحمن الرحيم، و كذا الخلفاء من بعده، ثم لا ينتشر فى المدينة موطن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- أو فى مكة موطن الحج.
[١] سورة الفاتحة: ١.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٥٠٤٦) فى فضائل القرآن، باب: مد القراءة، و قد علق الحافظ فى «الفتح» (٨/ ٧١٠) على من يستدل بذلك على رد حديث أنس بنفى الجهر بالبسملة و قراءتها فى أول الفاتحة حيث قال: و فى الاستدلال بحديث الباب نظر، و قد أوضحته فيما كتبته من النكت على علوم الحديث لابن الصلاح، و حاصله أنه لا يلزم من وصفه بأنه كان إذا قرأ البسملة يمد فيها أن يكون قرأ البسملة فى أول الفاتحة فى كل ركعة، و لأنه إنما ورد بصورة المثال فلا تتعين البسملة، و العلم عند اللّه تعالى. ا. ه.
قلت: و من الممكن أن يحمل ذلك على قراءته خارج الصلاة، كما أن هذا الحديث عام و يقابله حديث أنس الآخر الذي يخصص القراءة فى الفاتحة بعدم الجهر بالبسملة فيقدم عليه، و اللّه أعلم.