المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٧٤ - الفصل الثالث فى تفضيله- صلى اللّه عليه و سلم- فى الآخرة إلخ
فاعلم- منحنى اللّه و إياك التمتع بذاته القدسية فى الحضرة الفردوسية- أن اللّه تعالى قد اتخذ من الجنان دارا اصطفاها لنفسه، و خصها بالقرب من عرشه، و غرسها بيده، فهى سيدة الجنان، و اللّه يختار من كل نوع أعلاه و أفضله، كما اختار من الملائكة جبريل و من البشر محمدا- صلى اللّه عليه و سلم-، و ربك يخلق ما يشاء و يختار.
و فى الطبرانى من حديث أبى الدرداء قال: قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-:
«ينزل اللّه تعالى فى آخر ثلاث ساعات بقين من الليل، فينظر فى الساعة الأولى منهن فى الكتاب الذي لا ينظر فيه غيره، فيمحو اللّه ما يشاء و يثبت ما يشاء، ثم ينظر فى الساعة الثانية فى جنة عدن، و هى مسكنه الذي يسكن لا يكون معه فيها أحد إلا الأنبياء و الشهداء و الصالحون و الصديقون، و فيها ما لم يره أحد، و لا خطر على قلب بشر، ثم يهبط آخر ساعة من الليل فيقول: أ لا مستغفر يستغفرنى فأغفر له، أ لا سائل يسألنى فأعطيه، أ لا داع يدعونى فأستجيب له، حتى يطلع الفجر» [١].
و روى أبو الشيخ عن شمر بن عطية قال: خلق اللّه جنة الفردوس بيده، فهو يفتحها كل يوم خمس مرات فيقول: ازدادى طيبا لأوليائى، ازدادى حسنا لأوليائى.
فتأمل هذه العناية، كيف جعل الجنة التي غرسها بيده لمن خلقه بيده، و لأفضل بريته اعتناء و تشريفا، و إظهارا لفضل ما خلقه بيده و شرفه، و تمييزه بذلك عن غيره.
و روى الدارمى عن عبد اللّه بن الحارث قال: قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-:
«خلق اللّه ثلاثة أشياء بيده، خلق آدم بيده، و كتب التوراة بيده و غرس
[١] صحيح: أصله فى البخاري (١١٤٥) فى الجمعة، باب: الدعاء فى الصلاة من آخر الليل. من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-، و لفظه ينزل ربنا تبارك و تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول من يدعونى فأستجيب له من يسألنى فأعطيه من يستغفرنى فأغفر له.