المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٧٧ - الباب الثانى فى ذكر صلاته- صلى اللّه عليه و سلم- الجمعة
بالجلوس. و لأن الذي نقل عنه الجلوس، و هو معاوية، كان معذورا، فعند ابن أبى شيبة من طريق الشعبى: أن معاوية إنما خطب قاعدا لما كثر شحم بطنه [١]. و استدل الشافعى لوجوب الجلوس بين الخطبتين بما تقدم، و بمواظبة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- على ذلك، مع قوله: صلوا كما رأيتمونى أصلى.
و كان- صلى اللّه عليه و سلم- يقول بعد الثناء: «أما بعد» [٢] كما قاله البخاري.
و كان- صلى اللّه عليه و سلم- إذا خطب احمرت عيناه و علا صوته و اشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: «صبحكم و مساكم» و يقول: «بعثت و أنا و الساعة كهاتين»، و يقرن بين إصبعيه السبابة و الوسطى، و يقول: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب اللّه، و خير الهدى هدى محمد- صلى اللّه عليه و سلم- و شر الأمور محدثاتها، و كل بدعة ضلالة» ثم يقول: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، و من ترك دينا أو ضياعا فإلىّ و علىّ» [٣]. رواه مسلم و النسائى من حديث جابر.
و فى رواية: كانت خطبته- صلى اللّه عليه و سلم- يوم الجمعة: يحمد اللّه و يثنى عليه، ثم يقول على أثر ذلك، و قد علا صوته، و ذكر نحوه [٤].
[١] أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه (٥١٩٣)، من كان يخطب قائما قال: حدثنا جرير عن مغيرة عن الشعبى قال: إنما خطب معاوية قاعدا حيث كثر شحم بطنه و لحمه، و له بنحوه عن طاوس، و ذكره الهيثمى فى المجمع (٢، ١٨٧) فى باب الخطبة قائما و الجلوس بين الخطبتين، قال: و عن موسى بن طلحة قال: شهدت عثمان يخطب على المنبر قائما و شهدت معاوية يخطب قاعدا فقال: أما إنى لم أجهل السنة و لكنى كبرت سنّى، و رقّ عظمى، و كثرت حوائجكم، فأردت أن أقضى بعض حوائجكم قاعدا ثم أقوم فاخذ نصيبى من السنة رواه الطبرانى فى الكبير و فيه قيس بن الربيع و قد وثقه شعبة و الثورى و ضعفه غيرهما.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٩٢٣) فى الجمعة، باب: من قال فى الخطبة بعد الثناء أما بعد، من حديث عمرو بن تغلب- رضى اللّه عنه-، و فى باب: قول الإمام فى خطبة الكسوف أما بعد من حديث أسماء- رضى اللّه عنها-.
[٣] صحيح: أخرجه مسلم (٨٦٧) فى الجمعة، باب: تخفيف الصلاة و الخطبة، و ابن ماجه (٤٥) فى المقدمة، باب: اجتناب البدع و الجدل من حديث جابر بن عبد اللّه- رضى اللّه عنهما-.
[٤] صحيح: تقدم فى الذي قبله.