المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٥٤ - الفصل الأول فى صلاته- صلى اللّه عليه و سلم- الكسوف
فقام قياما طويلا، نحوا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع فقام قياما طويلا، و هو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا و هو دون الركوع الأول، ثم رفع، ثم سجد، ثم قام قياما طويلا و هو دون قيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا و هو دون الركوع الأول، ثم سجد ثم انصرف و قد انجلت الشمس، فقال: «إن الشمس و القمر آيتان من آيات اللّه لا يخسفان لموت أحد و لا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا اللّه»، فقالوا: يا رسول اللّه رأيناك تناولت شيئا فى مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت؟ قال: «إنى رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا، و لو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، و رأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع، و رأيت أكثر أهلها النساء»، قالوا: بم يا رسول اللّه؟ قال: «بكفرهن»، قيل: أ يكفرن باللّه؟ قال: «يكفرن العشير و يكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط» [١]. رواه البخاري و مسلم.
و قوله: «و رأيت الجنة و النار» قال القاضى عياض: يحتمل أنه رآهما رؤية عين، كشف اللّه له عنهما، و أزال الحجاب بينه و بينهما، كما فرج له عن المسجد الأقصى حين وصفه، و يكون قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «فى عرض هذا الحائط»- كما فى رواية-: فى جهته و ناحيته، و يحتمل أن تكون رؤية علم و عرض وحى باطلاعه و تعريفه من أمورهما مفصلا ما لم يعرفه قبل ذلك اليوم. قال القاضى: و الأول أولى و أشبه بألفاظ الحديث، لما فيه من الأمور الدالة على رؤية العين، كتناوله العنقود، و تأخره مخافة أن يصيبه لفح النار. انتهى.
و استشكل قوله: «و لو أصبته» مع قوله: «تناولت». و أجيب: بحمل «التناول» على تكلف الأخذ، لا حقيقة الأخذ، و قيل: المراد تناولته لنفسى و لو أخذته لكم، حكاه الكرمانى، قال الحافظ ابن حجر: و ليس بجيد، و قيل: المراد بقوله تناولت: وضعت يدى عليه، بحيث كنت قادرا على
[١] صحيح: أخرجه البخاري (١٠٥٢) فى الجمعة، باب: صلاة الكسوف جماعة، و مسلم (٩٠٧) فى الكسوف، باب: ما عرض على النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى صلاة الكسوف. من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-.