المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٣٨ - الفصل الثالث فى تفضيله- صلى اللّه عليه و سلم- فى الآخرة إلخ
الإيمان لما يدل عليه حديث المقداد و غيره: أنهم يتفاوتون فى ذلك بحسب أعمالهم.
و فى رواية عند أبى يعلى، و صححها ابن حبان: إن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة حتى يقول: يا رب، أرحنى و لو إلى النار [١]. و هو كالصريح فى أن ذلك كله فى الموقف. و من تأمل الحالة المذكورة، عرف عظيم الهول فيها، و ذلك أن النار تحف بأرض الموقف، و تدنو الشمس من الرءوس قدر ميل، فكيف تكون حرارة تلك الأرض، و ما ذا يرونه من العرق مع أن كل أحد لا يجد إلا قدر موضع قدميه، فكيف يكون حال هؤلاء فى عرقهم مع تنوعهم فيه.
إن هذا لما يبهر العقول، و يدل على عظيم القدرة، و يقتضى الإيمان بأمور الآخرة، و أن ليس للعقل فيه مجال، و لا يعترض على ذلك بعقل و لا قياس و لا عادة، و إنما يؤخذ بالقبول.
فتأمل- رحمك اللّه- شدة هذا الازدحام و الانضمام و الاتساق و الالتصاق، و اجتماع الإنس و الجان، و من يجمع معهم من سائر أصناف الحيوان، و انضغاطهم و تدافعهم و اختلاطهم، و قرب الشمس منهم، و ما يزاد فى حرها، و يضاعف فى وهجها، و لا ظل إلا ظل عرش ربك بما قدمته، مع ما انضاف إلى ذلك من حر البأس، لتزاحم الناس و احتراق القلوب، لما غشيها من الكروب.
و لا ريب أن هذا موجب لحصول العطش فى ذلك اليوم، و كثرة الالتهاب، و الماء ثم أعز موجود، و أعظم مفقود، فلا منهل مورود إلا حوض صاحب المقام المحمود- صلى اللّه عليه و سلم- و زاده فضلا و شرفا لديه، و لا مشرب لأمته سواه، و لا تبرد أكبادهم إلا به، فالشربة منه كما ورد تروى الظمأ، و تشفى من الصدى. و تذهب بكل داء فلا يظمأ شاربها و لا يسقم بعدها أبدا.
[١] رواه الطبرانى فى الكبير بإسناد جيد، و أبو يعلى، و من طريقه ابن حبان إلا أنهما قالا: إن الكافر. و رواه البزار و الحاكم من حديث الفضل بن عيسى و هو واه عن المنكدر عن جابر، و قال الحاكم: صحيح الإسناد، قاله المنذرى فى «الترغيب و الترهيب» (٤/ ٣٩٠).