المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٤٣ - المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته و نقلته إلى حظيرة قدسه لديه- صلى اللّه عليه و سلم
و ما زال- صلى اللّه عليه و سلم- يعرض باقتراب أجله فى آخر عمره، فإنه لما خطب فى حجة الوداع قال للناس: «خذوا عنى مناسككم، فلعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا» و طفق يودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع [١].
فلما رجع- صلى اللّه عليه و سلم- من حجة الوداع إلى المدينة جمع الناس بماء يدعى «خما» فى طريقه بين مكة و المدينة، فخطبهم و قال: «أيها الناس، إنما أنا بشر مثلكم، يوشك أن يأتينى رسول ربى فأجيب»، ثم حض على التمسك بكتاب اللّه و وصى بأهل بيته [٢].
قال الحافظ ابن رجب: و كان ابتداء مرضه- صلى اللّه عليه و سلم- فى أواخر شهر صفر، و كانت مدة مرضه ثلاثة عشر يوما فى المشهور. و كانت خطبته التي خطب بها المذكورة فى حديث أبى سعيد الذي قدمته فى ابتداء مرضه الذي مات فيه، فإنه خرج- كما رواه الدارمى- و هو معصوب الرأس بخرقة، حتى أهوى إلى المنبر فاستوى عليه فقال: «و الذي نفسى بيده، إنى لأنظر إلى الحوض من مقامى هذا، ثم قال: إن عبدا عرضت عليه الدنيا» .. إلخ، ثم هبط عنه فما رؤى عليه حتى الساعة.
فلما عرّض- صلى اللّه عليه و سلم- على المنبر باختياره اللقاء على البقاء، و لم يصرح، خفى المعنى على كثير ممن سمع، و لم يفهم المقصود غير صاحبه الخصيص به، ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ [٣]، و كان أعلم الأمة بمقاصد الرسول- صلى اللّه عليه و سلم-، فلما فهم المقصود من هذه الإشارة بكى و قال: بل نفديك بأموالنا و أنفسنا و أولادنا، فسكّن الرسول- صلى اللّه عليه و سلم- جزعه، و أخذ فى مدحه و الثناء عليه على المنبر، ليعلم الناس كلهم فضله، فلا يقع عليه اختلاف فى خلافته فقال:
«إن أمنّ الناس على فى صحبته و ماله أبو بكر- رضى اللّه عنه-» ثم قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، و لكن أخوة
[١] تقدم.
[٢] تقدم.
[٣] سورة التوبة: ٤٠.