المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٥٨ - المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته و نقلته إلى حظيرة قدسه لديه- صلى اللّه عليه و سلم
- صلى اللّه عليه و سلم- منا، فدخل أحدهما على النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فأخبره بذلك، فخرج النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و قد عصب على رأسه حاشية برد، فصعد المنبر- و لم يصعده بعد ذلك اليوم- فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: «أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشى و عيبتى، و قد قضوا الذي عليهم، و بقى الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم و تجاوزوا عن مسيئهم» [١].
و قوله «كرشى و عيبتى» أى موضع سرى أراد أنهم بطانته و موضع أمانته، و الذين يعتمد عليهم فى أموره. و استعار الكرش و العيبة لذلك. لأن المجتر يجمع علفه فى كرشه، و الرجل يجمع ثيابه فى عيبته، و قيل: أراد بالكرش الجماعة، أى جماعتى و صحابتى يقال: عليه كرش من الناس، أى جماعة، قاله فى النهاية.
و ذكر الواحدى بسند وصله بعبد اللّه بن مسعود قال: نعى لنا رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- نفسه قبل موته بشهر، فلما دنا الفراق جمعنا فى بيت عائشة فقال:
«حياكم اللّه بالسلام، رحمكم اللّه، جبركم اللّه، رزقكم اللّه، نصركم اللّه، رفعكم اللّه، آواكم اللّه، أوصيكم بتقوى اللّه، و أستخلفه عليكم، و أحذركم اللّه، إنى لكم منه نذير مبين، أن لا تعلوا على اللّه فى بلاده و عباده، فإنه قال لى و لكم:
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [٢] و قال: أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ [٣]»، قلنا: يا رسول اللّه، متى أجلك؟ قال: «دنا الفراق، و المنقلب إلى اللّه و إلى جنة المأوى»، قلنا: يا رسول اللّه، من يغسلك؟ قال: «رجال من أهل بيتى الأدنى فالأدنى»، قلنا: يا رسول اللّه، فيم نكفنك؟ قال: «فى ثيابى هذه و إن شئتم فى بياض ثياب مصر، أو حلة يمنية»، قلنا: يا رسول اللّه، من يصلى عليك؟
قال: «إذا أنتم غسلتمونى و كفنتمونى فضعونى على سريرى هذا على شفير
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٣٧٩٩) فى المناقب، باب: قول النبيّ اقبلوا من محسنهم و تجاوزوا عن سيئاتهم. من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.
[٢] سورة القصص: ٨٣.
[٣] سورة الزمر: ٦٠.