المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٣٤ - النوع السابع من عبادته- صلى اللّه عليه و سلم- فى ذكر نبذة من أدعيته و أذكاره و قراءته
الأشعرى يقرأ فقال: «لقد أوتى هذا مزمارا من مزامير آل داود» [١]. يعنى من مزامير داود نفسه، كما ذكره أهل المعانى. و فى طريق آخر- كما تقدم- أن أبا موسى قال: يا رسول اللّه، لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا [٢]. قال ابن المنير: فهذا يدل على أنه كان يستطيع أن يتلو أشجى من المزامير عند المبالغة فى التحبير، لأنه قد تلا مثلها و ما بلغ الحد، فكيف لو بلغ حد استطاعته.
و قد كان داود٧ إذا أراد أن يتكلم على بنى إسرائيل يجوع سبعة أيام لا يأكل و لا يشرب و لا يأتى النساء، ثم يأمر سليمان فينادى فى الضواحى و النواحى و الآكام و الأودية و الجبال: إن داود يجلس يوم كذا، ثم يخرج له منبرا إلى الصحراء، فيجلس عليه، و سليمان قائم على رأسه، فتأتى الإنس و الجن و الطير و الوحش و الهوام و العذارى و المخدرات يسمعون الذكر، فيأخذ فى الثناء على اللّه بما هو أهله، فتموت طائفة من المستمعين، ثم يأخذ فى النياحة على المذنبين فتموت طائفة، فإذا استجر الموت بالخلق قال له سليمان: يا نبى اللّه، قد استجر الموت بالناس، و قد مزقت المستمعين كل ممزق، فيخر داود مغشيّا عليه، فيحمل على سريره إلى بيته، و ينادى منادى سليمان: أيها الناس، من كان له مع داود قريب أو حميم فليخرج لافتقاده، فكانت المرأة تأتى فتقف على زوجها أو ابنها أو أخيها، فتدخل به المدينة، فإذا أفاق داود فى اليوم الثانى قال: يا سليمان، ما فعل عباد بنى إسرائيل؟ فيقول له سليمان: قد مات فلان و فلان و هلم جرا. فيضع داود يده على رأسه و ينوح و يقول: يا ربّ داود، أ غضبان أنت على داود حتى إنه لم يمت فيمن مات خوفا منك أو شوقا إليك؟ فلا يزال ذلك دأبه إلى المجلس الآخر، و أقام داود٧ على ذلك ما شاء اللّه تعالى.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٥٠٤٨) فى فضائل القرآن، باب: حسن الصوت بالقراءة للقرآن، و مسلم (٧٩٣) فى صلاة المسافرين، باب: استحباب تحسين الصوت بالقرآن. من حديث أبى موسى- رضى اللّه عنه-.
[٢] صحيح: و قد تقدم.