المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٤٤ - الفصل الثالث فى تفضيله- صلى اللّه عليه و سلم- فى الآخرة إلخ
ذلك كان حاصلا فى الحال. و قوله: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [١] يدل على أن يحصل للنبى- صلى اللّه عليه و سلم- فى ذلك المقام حمد بالغ عظيم كامل، و من المعلوم أن حمد الإنسان على سعيه فى التخلص عن العقاب أعظم من سعيه فى زيادة من الثواب لا حاجة به إليها، لأن احتياج الإنسان فى دفع الآلام العظيمة عن النفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة التي لا حاجة إلى تحصيلها.
و إذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [٢] هو الشفاعة فى إسقاط العذاب على ما هو مذهب أهل السنة.
و لما ثبت أن لفظ الآية مشعر بهذا المعنى إشعارا قويّا. ثم وردت الأخبار الصحيحة فى تقرير هذا المعنى كما فى البخاري من حديث ابن عمر قال:
سئل رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- عن المقام المحمود فقال: «هو الشفاعة» [٣]. و فيه أيضا عنه قال: قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «إن الناس يصيرون يوم القيامة جثّى كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع لنا، حتى تنتهى الشفاعة إلىّ فذلك المقام المحمود» [٤].
فإذا ثبت هذا، فيجب حمل اللفظ عليه قال: و مما يؤكد هذا، الدعاء المشهور: و ابعثه مقاما محمودا يغبطه فيه الأولون و الآخرون.
و نصب قوله «مقاما» على الظرفية، أى و ابعثه يوم القيامة فأقمه مقاما محمودا، أو على أنه مفعول به، و ضمن معنى «ابعثه» معنى «أقمه»، و يجوز أن يكون حالا بعد حال، أى: ابعثه ذا مقام. قال الطيبى: و إنما نكّره لأنه
[١] سورة الإسراء: ٧٩.
[٢] سورة الإسراء: ٧٩.
[٣] أخرجه أحمد (٢/ ٤٧٨)، من حديث أبى هريرة، و هو عند البخاري بلفظ آخر انظر رقم (٤٧١٨).
[٤] صحيح: أخرجه البخاري (٤٧١٨) فى تفسير القرآن، باب: قوله عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا. من حديث ابن عمر- رضى اللّه عنهما-.