المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٥٣ - المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته و نقلته إلى حظيرة قدسه لديه- صلى اللّه عليه و سلم
و فى رواية عائشة بنت طلحة من الزيادة: أن عائشة لما رأت بكاها و ضحكها قالت: إن كنت لأظن أن هذه المرأة من أعقل النساء، فإذا هى من النساء. و يحتمل تعدد القصة. و فى رواية عروة الجزم أنه ميت من وجعه ذلك بخلاف رواية مسروق ففيها أنه ظن ذلك بطريق الاستنباط مما ذكره من معارضة القرآن.
و قد يقال: لا منافاة بين الخبرين إلا بالزيادة، و لا يمتنع أن يكون إخباره بكونها أول أهله لحوقا به سببا لبكائها و لضحكها باعتبارين، فذكر كل من الراويين ما لم يذكره الآخر. و قد روى النسائى من طريق أبى سلمة عن عائشة فى سبب البكاء أنه ميت، و فى سبب الضحك الأمرين الآخرين.
و لابن سعد من رواية أبى سلمة عنها: أن سبب البكاء موته، و سبب الضحك لحاقها به. و عند الطبرانى- من وجه آخر- عن عائشة أنه قال لفاطمة: «إن جبريل أخبرنى أنه ليس امرأة من نساء المؤمنين أعظم رزية منك، فلا تكونى أدنى امرأة منهن صبرا». و فى الحديث: إخباره- صلى اللّه عليه و سلم- بما سيقع، فوقع كما قال- صلى اللّه عليه و سلم-، فإنهم اتفقوا على أن فاطمة- رضى اللّه عنها- كانت أول من مات من أهل بيت النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- بعده، حتى من أزواجه- عليه الصلاة و السلام-.
و قد كان- صلى اللّه عليه و سلم- من شدة وجعه يغمى عليه فى مرضه ثم يفيق، و أغمى عليه مرة فظنوا أن وجعه ذات الجنب فلدوه، فجعل يشير إليهم أن لا يلدوه، فقالوا: كراهية للدواء، فلما أفاق قال: «أ لم أنهكم أن تلدونى؟» فقالوا: كراهية المريض للدواء، فقال: «لا يبقى أحد فى البيت إلا لدّ و أنا أنظر، إلا العباس فإنه لم يشهدكم» [١]. رواه البخاري. و اللدود، هو ما يجعل فى جانب الفم من الدواء، فأما ما يصب فى الحلق فيقال له: الوجور.
و فى الطبرانى من حديث العباس: أنهم أذابوا قسطا بزيت ولدوه به.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٤٤٥٨) فى المغازى، باب: مرض النبيّ و وفاته. من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.