المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٠١ - الفرع الثانى فى ذكر قراءته- صلى اللّه عليه و سلم- البسملة فى أول الفاتحة
يفتتحون بالفاتحة. و فى رواية مسلم: فلم أسمع أحدا منهم قرأ ببسم اللّه الرحمن الرحيم [١]. كذا أخرجه مسلم و غيره. لكنه معلول أعله الحفاظ، كما هو فى كتب علوم الحديث. و فى شرح ألفية العراقى لشيخنا الحافظ أبى الخير السخاوى- أمتع اللّه بوجوده- فى باب العلل ما نصه: و علة المتن القادحة فيه كحديث نفى قراءة البسملة فى الصلاة المروى عن أنس، إذ ظن راو من رواته حين سمع قول أنس: صليت خلف النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و أبى بكر و عمر و عثمان- رضى اللّه عنهم- فكانوا يستفتحون بالحمد للّه رب العالمين، نفى البسملة، فنقله مصرحا بما ظنه و قال: لا يذكرون بسم اللّه الرحمن الرحيم فى أول القراءة و لا فى آخرها. و فى لفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة ببسم اللّه الرحمن الرحيم. و صار بمقتضى ذلك حديثا مرفوعا. و الراوى لذلك مخطئ فى ظنه [٢].
[١] صحيح: أخرجه مسلم (٣٩٩) (٥٠) فيما سبق.
[٢] قلت: قال الحافظ الزيلعى فى معرض رده على من يردون رواية أنس التي فى صحيح مسلم حيث يقول فى «نصب الراية» (١/ ٣٣٠- ٣٣١): كيف يجوز العدول عنه- أى رواية مسلم- بغير موجب و يؤكده قوله فى رواية مسلم لا يذكرون بسم اللّه الرحمن الرحيم فى أول قراءة و لا فى آخرها، لكنه محمول على نفى الجهر، لأن أنسا إنما ينفى ما يمكنه العلم بانتفائه، فإنه إذا لم يسمع مع القرب علم أنهم لم يجهروا، و أما كون الإمام لم يقرأها فهذا لا يمكن إدراكه، إلا إذا لم يكن بين التكبير و القراءة سكوت يمكن فيه القراءة سرّا، و لهذا استدل بحديث أنس هذا على عدم قراءتها من لم ير هنا سكوتا كمالك و غيره لكن ثبت فى الصحيحين من أبى هريرة أنه قال: يا رسول اللّه أ رأيت سكوتك بين التكبير و القراءة ما تقول؟ قال: «أقول كذا و كذا إلى آخره»، و فى السنن عن سمرة و أبى و غيرهما أنه كان يسكت قبل القراءة و أنه كان يستعيذ و إذا كان له سكوت لم يمكن أنسا أن ينفى قراءتها فى ذلك السكوت فيكون نفيه للذكر و الاستفتاح و السماع مرادا به الجهر، بذلك يدل عليه قوله: «فكانوا لا يجهرون» و قوله فلم أسمع أحدا منهم يجهر، و لا تعرض فيه للقراء، سرّا و لا على نفيها إذ لا علم لأنس بها حتى يثبتها أو ينفيها، و كذلك قال لمن سأله إنك تسألنى عن شيء ما أحفظه، فإن العلم بالقراءة السرية إنما يحصل بإخبار أو سماع عن قرب، و ليس فى الحديث شيء منها، و رواية من روى «فكانوا يسرون» كأنها مروية بالمعنى من لفظ «لا يجهرون» و اللّه أعلم، و أيضا عمل الافتتاح بالحمد للّه رب العالمين على السورة لا الآية مما تستبعده القريحة و تمجه الأفهام-