المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٧٩ - الفرع الثانى فى القصر مع الإقامة
و جمع البيهقي بين هذا الاختلاف: بأن من قال: «تسعة عشر» عد يومى الدخول و الخروج، و من قال: «سبعة عشر» حذفهما، و أما رواية «خمس عشرة» فضعفها النووى فى «الخلاصة» و ليس بجيد، لأن رواتها ثقات، و لم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائى من رواية عراك بن مالك عن عبيد اللّه كذلك، فإذا ثبت أنها صحيحة فلتحمل على أن الراوى ظن أن رواية الأصل سبع عشرة، فحذف منها يومى الدخول و الخروج، فذكر أنها خمس عشرة، و اقتضى ذلك أن رواية «تسع عشرة» أرجح الروايات.
و أخذ الشافعى بحديث عمران بن حصين، لكن محله عنده فيمن لم يزمع الإقامة، فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة وجب الإتمام، فإن أزمع الإقامة فى أول الحال على أربعة أيام أتم، على خلاف بين أصحابه فى دخول يومى الدخول و الخروج فيها، أو: لا.
و لا معارضة بين حديث ابن عباس و حديث أنس، لأن حديث ابن عباس كان فى فتح مكة، و حديث أنس كان فى حجة الوداع. و فى حديث ابن عباس: قدم- صلى اللّه عليه و سلم- و أصحابه- يعنى مكة- لصبح رابعة، و لا شك أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة بمكة و نواحيها عشرة أيام بلياليها، كما قال أنس، و تكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء، لأنه قدم فى اليوم الرابع و خرج منها فى اليوم الثامن، فصلى الظهر فى منى، و من ثم قال الشافعى: إن المسافر إذا أقام ببلدة قصر أربعة أيام، فالمدة التي فى حديث ابن عباس يسوغ الاستدلال بها على من لم ينو الإقامة بل كان مترددا، متى تهيأ له فراغ حاجته يرحل. و المدة التي فى حديث أنس يستدل بها على من نوى الإقامة، لأنه- صلى اللّه عليه و سلم- فى أيام الحج كان جازما بالإقامة تلك المدة، و وجه الدلالة من حديث ابن عباس: لما كان الأصل فى المقيم الإتمام فلما لم يجئ عنه- صلى اللّه عليه و سلم- أنه أقام فى حال السفر أكثر من تلك المدة جعلها غاية للقصر.
و اللّه أعلم.