المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٥٧ - الفصل الرابع فى سجوده- صلى اللّه عليه و سلم- للسهو فى الصلاة
و هو حجة لمن قال إن السهو جائز على الأنبياء- عليهم الصلاة و السلام- فيما طريقه التشريع. قال ابن دقيق العيد: و هو قول عامة العلماء و النظار، و شذت طائفة فقالوا: لا يجوز على النبيّ السهو، و هذا الحديث يرد عليهم- يعنى حديث ابن مسعود- فإن فيه «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون». و إن كان القاضى عياض نقل الإجماع على عدم جواز دخول السهو فى الأقوال التبليغية، و خص الخلاف بالأفعال. لكنهم تعقبوه.
نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يقر عليه، بل يقع له بيان ذلك، إما متصلا بالفعل أو بعده، كما وقع فى هذا الحديث من قوله: «لم أنس و لم تقصر» ثم تبين أنه نسى.
و معنى قوله: «لم أنس» أى فى اعتقادى، لا فى نفس الأمر، و يستفاد منه: أن الاعتقاد عند فقد اليقين يقوم مقام اليقين، و فائدة السهو فى مثل ذلك بيان الحكم الشرعى إذا وقع مثله لغيره. و أما من منع السهو مطلقا، فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة:
فقيل: قوله «لم أنس» نفى للنسيان، و لا يلزم منه نفى السهو، و هذا قول من فرق بينهما، و قد تقدم تضعيفه، و يكفى فيه قوله فى هذه الرواية:
«بلى قد نسيت» و أقره على ذلك.
و قيل: قوله: «لم أنس» على ظاهره و حقيقته، و كان يتعمد ما يقع منه من ذلك ليقع التشريع منه بالفعل، لكونه أبلغ من القول.
و تعقب: بحديث ابن مسعود عند البخاري و مسلم بلفظ «صلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فزاد أو نقص، شك بعض الرواة، و الصحيح أنه زاد، فلما سلم قيل له: يا رسول اللّه أحدث فى الصلاة شيء؟ قال: «و ما ذاك؟» قالوا:
صليت كذا و كذا، قالوا فثنى رجليه و استقبل القبلة و سجد سجدتين ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: «إنه لو حدث فى الصلاة شيء لنبأتكم به، و لكن