المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١١٤ - الرؤيا الصالحة جزء من النبوة
و أيضا: ففى كونهما من ذهب، و الذهب منهى عن لبسه، دليل على الكذب، و أيضا: فالذهب مشتق من الذهاب، فعلم أنه شيء يذهب عنه، و تأكد ذلك بالإذن له فى نفخهما فطارا، فعرف أنه ينسب إليهما أمر، و أن كلامه بالوحى الذي جاء به يزيلهما من موضعهما.
و قال ابن العربى: كان النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- يتوقع بطلان أمر مسيلمة و العنسى، فأول الرؤيا عليهما ليكونا ذلك، إخراجا للمنام عليهما، فإن الرؤيا إذا عبرت خرجت. و يحتمل أن يكون بوحى. و المراد ب «خزائن الأرض» التي ذكر، ما فتح على أمته من الغنائم و من ذخائر كسرى و قيصر و غيرهما، و يحتمل معادن الأرض التي فيها الذهب و الفضة.
و قال القرطبى: إنما كبر عليه السواران لكون الذهب من حلية النساء، و مما حرم على الرجال، و فى طيرانهما إشارة إلى اضمحلال أمرهما، و مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا، أن أهل صنعاء و أهل اليمامة كانوا أسلموا، فكانوا كالساعدين للإسلام، فلما ظهر الكذابان، و بهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما و دعاويهما الباطلة انخدع أكثرهم بذلك، فكأن اليدين بمنزلة البلدين، و السوارين بمنزلة الكذابين، و كونهما من ذهب إشارة إلى ما زخرفا، و الزخرف من أسماء الذهب.
و قال أهل التعبير: من رأى أنه يطير فإن كان إلى جهة السماء تعريجا ناله ضرر، فإن غاب فى السماء و لم يرجع مات، و إن رجع أفاق من مرضه، و إن كان يطير عرضا سافر و نال رفعة بقدر طيرانه.
و من ذلك: رؤيته- صلى اللّه عليه و سلم- المرأة السوداء الثائرة الرأس، تعبيرها بنقل و باء المدينة إلى الجحفة. روى البخاري من حديث عبد اللّه بن عمر، أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة- و هى الجحفة- فأولت أن وباء المدينة نقل إليها» [١].
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٧٠٣٨) فى التعبير، باب: إذا رأى أنه أخرج الشيء من كورة فأسكنه موضعا آخر، و أطرافه (٧٠٣٩ و ٧٠٤٠).