المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٩٢ - الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف و مسجده المنيف
و إعظاما لمن حل تلك الديار، فأحس بالشفاء، فأنشد لنفسه فى وصف الحال لمن حل فى تلك الديار:
و لما رأينا من ربوع حبيبنا * * * بيثرب أعلاما أثرن لنا الحبا
و بالترب منها إذ كحلنا جفوننا * * * شفينا فلا بأسا نخاف و لا كربا
و حين تبدى للعيون جمالها * * * و من بعدها عنا أذيلت لنا قربا
نزلنا عن الأكوار نمشى كرامة * * * لمن حل فيها أن نلم به ركبا
نسح سجال الدمع فى عرصاته * * * و نلثم من حب لواطئه التربا
و إن بقائى دونه لخسارة * * * و لو أن كفى تملك الشرق و الغربا
فيا عجبا ممن يحب بزعمه * * * يقيم مع الدعوى و يستعمل الكذبا
و زلات مثلى لا تعدد كثرة * * * و بعدى عن المختار أعظمها ذنبا
و لما كنت سائرا لقصد الزيارة فى ربيع الآخر سنة اثنتين و تسعين و ثمانمائة، و لاح لنا عند الصباح جبل مفرح الأرواح المبشر بقرب المزار من أشرف الديار، تسابق الزوار إليه، و تعالوا بالصعود عليه استعجالا لمشاهدة تلك الآثار و اقتباسا لمشاهدة تلك الأنوار فبرقت لوامع الأنوار النبوية، وهبت عرف نسمات المعارف المحمدية، فطبنا و غبنا إذ شهدنا أعلام ديار أشرف البرية فأنشدت:
أ لامع برق يغتدى و يروح * * * أم النور من أرض الحجاز يلوح
و ريح الصبا هبت بطيّب عرفهم * * * أم الروض فى وجه الصباح يفوح
إذا ريح ذاك الحى هب فإنها * * * حياة لمن يغدو لها و يروح
ترفق بنا يا حادى العيس و التفت * * * فللنور بين الواديين وضوح
فما هذه إلا ديار محمد * * * و ذاك سناها يغتدى و يروح
و إلا فما للركب هاج اشتياقهم * * * فكل من الشوق الشديد يصيح
و أنّت مطايا الركب حتى كأنها * * * حمام على قضب الأراك تنوح
و قد مدت الأعناق شوقا و طرفها * * * إلى النور من تلك الديار لموح
رأت دار من تهوى فزاد اشتياقها * * * و مدمعها فى الوجنتين سفوح
إذا العيس باحت بالغرام و لم تطق * * * خفاء فما للضب ليس يبوح